ولهذا يصور له التعبير القرآني المعجز هذه اللمحات الحيَّة، التي يثبتها في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة، وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار، فتدع صاحبها سخريةَ الساخرين أبد الدهر، وتثبت صورته الزَّرِيَّة في صلب الوجود، تتملاها الأجيال بعد الأجيال!
فإذا ما انتهى الله تعالى من عرض هذه اللمحات الحيَّة الشاخصة لهذا المخلوق المضحك، عقَّب عليها بالوعيد المفزع، والتهديد الساحق، فقال سبحانه:
"سَأُصْلِيهِ سَقَرَ" (المدثر: 26)
وهو بدل من قوله تعالى:"سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا"
و"سَقَرَ"هي - على ما قيل - الدرك السادس من النار، ومنِع لفظها من التنوين للتأنيث. وقيل: إنه اسم أعجمي. والأول هو الصواب؛ لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف، انصرف، وإن كان متحرك الأوسط. وأيضًا فإنه اسم عربي مشتق، يقال: سَقَرَته الشمس، إذا أحرقته. والسَّاقُورُ: حديدة تُحْمَى، ويُكْوَى بها الحمار.
وزاد هذا التهديد، وذلك الوعيد تهويلاً تنكير"سَقَرَ"، ثم تكرارها في جملة استفهامية، يزيد من تهويل أمرها؛ وهي قوله تعالى:
"وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ" (المدثر: 27)
يريد: أيُّ شيء أدراك ما سقر؟ أي: لم تبلغ درايتك غاية أمرها وعظم هولها؛ لأنها شيء أعظم وأهول من الإدراك!
وقيل: كل ما في القرآن من قوله تعالى:"وَمَا أَدْرَاكَ"، فقد أدراه، وما فيه من قوله:"وَمَا يُدْريكَ"، فلم يدره؛ كقوله تعالى:"وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا" (الأحزاب: 63)
والدليل على الأول قوله تعالى:"لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ"
فقد أدراه ما سقر؟ ومثله قوله تعالى:"وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ" (القارعة: 3)
ثم أدراه ما القارعة، فقال سبحانه:
"يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ" (القارعة: 4)
"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ" (القارعة: 5)
ولما كان قوله تعالى:
"مَا سَقَرُ"؟ و"مَا الْقَارِعَةُ"؟