وهو تعبير مصور لحركة المشقة . فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقا . فإذا كان دفعا من غير إرادة من المصعد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقا . وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة . فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر الودود , يندب في طريق وعر شاق مبتوت ; ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق , كأنما يصعد في السماء , أو يصعد في وعر صلد لا ري فيه ولا زاد , ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق !
ثم يرسم تلك الصورة المبدعة المثيرة للسخرية والرجل يكد ذهنه ! ويعصر أعصابه ! ويقبض جبينه ! وتكلح ملامحه وقسماته . . كل ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن , وليجد قولا يقوله فيه:
(إنه فكر وقدر . فقتل ! كيف قدر ? ثم قتل ! كيف قدر ? ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال:إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر) . .
لمحة لمحة . وخطرة خطرة . وحركة حركة . يرسمها التعبير , كما لو كانت ريشة تصور , لا كلمات تعبر , بل كما لو كانت فيلما متحركا يلتقط المشهد لمحة لمحة !!!
لقطة وهو يفكر ويدبر ومعها دعوة هي قضاء (فقتل !) واستنكار كله استهزاء (كيف قدر ?) ثم تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار .
ولقطة وهو ينظر هكذا وهكذا في جد مصطنع متكلف يوحي بالسخرية منه والاستهزاء .
ولقطة وهو يقطب حاجبيه عابسا , ويقبض ملامح وجهه باسرا , ليستجمع فكره في هيئة مضحكة !
وبعد هذا المخاض كله ? وهذا الحزق كله ? لا يفتح عليه بشيء . . إنما يدبر عن النور ويستكبر عن الحق . . فيقول: (إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر) !
إنها لمحات حية يثبتها التعبير القرآني في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة ; وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار ! وإنها لتدع صاحبها سخرية الساخرين أبد الدهر , وتثبت صورته الزرية في صلب الوجود , تتملاها الأجيال بعد الأجيال !