فإذا انتهى عرض هذه اللمحات الحية الشاخصة لهذا المخلوق المضحك , عقب عليها بالوعيد المفزع:
(سأصليه سقر) . . وزاد هذا الوعيد تهويلا بتجهيل سقر: (وما أدراك ما سقر ?) . . إنها شيء أعظم وأهول من الإدراك ! ثم عقب على التجهيل بشيء من صفتها أشد هولا: (لا تبقي ولا تذر) . . فهي تكنس كنسا , وتبلع بلعا , وتمحو محوا , فلا يقف لها شيء , ولا يبقى وراءها شيء , ولا يفضل منها شيء !
ثم هي تتعرض للبشر وتلوح: (لواحة للبشر) . . كما قال في سورة المعارج: (تدعوا من أدبر وتولى) . . فهي تدل على نفسها , وكأنما تقصد إثارة الفزع في النفوس , بمنظرها المخيف !
ويقوم عليها حراس عدتهم: (تسعة عشر) . . لا ندري أهم أفراد من الملائكة الغلاظ الشداد , أم صفوفأم أنواع من الملائكة وصنوف . إنما هو خبر من الله سندري شأنه فيما يجيء . .
الدرس الرابع:31 اختلاف نظرة المؤمنين والكفار للكلام عن النار
فأما المؤمنون فقد تلقوا كلمات الله بالتسليم اللائق بمن وثق بربه , وتأدب معه أدب العبد مع الرب فلم يعد يماري في خبره وقوله . وأما المشركون فتلقفوا هذا العدد بقلوب خاوية من الإيمان , عارية من التوقير لله , خالية من الجد في تلقي هذا الأمر العظيم . وراحوا يتهكمون عليه ويسخرون منه , ويتخذونه موضعا للتندر والمزاح ... قال قائل منهم:أليس يتكفل كل عشرة منكم بواحد من هؤلاء التسعة عشر ! ? وقال قائل:لا بل اكفوني أنتم أمر اثنين منهم وعلي الباقي أنا أكفيكموهم ! وبمثل هذه الروح المطموسة المغلقة الفاضية تلقوا هذا القول العظيم الكريم .
عندئذ نزلت الآيات التالية تكشف عن حكمة الله في الكشف عن هذا الجانب من الغيب , وذكر هذا العدد , وترد علم الغيب إلى الله , وتقرر ما وراء ذكر سقر وحراسها من غاية ينتهي الموقف إليها: