تعليل للوعيد السابق واستحقاقه له، كأَن الله عاجله بالفقر بعد الغي والذل بعد العز في الدنيا لعناده، ويعاقبه في الآخرة أَشد العذاب وأَعظمه لبلوغه بالعناد غايته وأَقصاه في تفكيره، وتسميته القرآن سحرًا، والمعنى: أَن الوليد فكر وزوَّر في نفسه وأَعد وهيأَ ما يقوله من الطعن في القرآن والرسول، فاستحق بذلك العذاب وذلك أَنه لما نزل قوله تعالى: (حم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) إِلى قوله تعالى: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) على النبي صلى الله عليه وسلم سمعه الوليد يقرؤُها فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإِنس ولا هو من كلام الجن وإِن له لحلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِن أَعلاه لمثمر، وإِن أَسفله لمغدق، وإِنه ليعلو ولا يُعْلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأَ الوليد لَتَصْبُوَنَّ قريش كلها، فقال أَبو جهل: أَنا أَكفيكموه فمضى إِليه حزينًا فقال له: ما لي أَراك حزينًا؟ فقال له: وما لي لا أَحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أَنك زينت كلام محمد وتدخل على ابن أَبي كبشة - يعني بذلك رسول الله - وابن أَبي قحافة - يقصد أَبا بكر - لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد وتكبر وقال: أَنا أَحتاج إِلى كِسْر محمد وصاحبه؟ فأَنتم تعرفون قدر مالي، واللات والعُزَّي ما لي حاجة إِلى ذلك، وإِنما أَنتم تزعمون أَن محمدًا مجنون فهل رأَيتموه قط يَخْنُق، قالوا: لا والله
قال: فتزعمون أَنه كذاب فهل جربتم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أَنه كاهن فهل رأَيتموه تكهن قط، وقد رأَينا للكهنة أَسجاعًا وتَخَالُجًا (1) فهل رأَيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله.
وكان النبي يسمى الصادق الأَمين من كثرة صدقة، فقالت قريش للوليد: من هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إِلا ساحر. أَما رأَيتموه يفرق بين الرجل وأَهله وولده ومواليه، وما الذي يقوله إِلا سحر يأَثره عن مسيلمة وعن أَهل بابل، فارتج النادي فرحًا وتفرقوا مُعْجَبِين بقوله مُتَعَجَّبين منه، فذلك قول الله (إِنَّهُ فَكَّرَ) أَي: في أَمر محمد والقرآن. (وَقَدَّرَ) في نفسه ماذا يمكنه أَن يقول فيهما.