بدأت السورة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنذار، وجاءت الفقرة الأولى لتنذر من خلال العرض لمآل نموذج يرفض الإنذار، ثم تأتي الفقرة الأخيرة في السورة، فتبدأ بذكر معان تمهد لقبول إنذار النذير، وتبين قيمة بعثة النذير في تاريخ البشرية وأهميتها بالنسبة للإنسان، ثم تحض على قبول الإنذار، والفقرة مع أدائها لهذا المعنى وغيره هي في نفسها إنذار.
التفسير:
كَلَّا قال النسفي في صلة هذا الحرف بما قبله مباشرة أي: بقوله تعالى:
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ قال: هي إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون. أقول: (كلا) حرف ردع وزجر، وهي هنا في هذا السياق ردع
وزجر للكافرين والمنافقين في شكهم وارتيابهم، وتشكيكهم بمضمون هذه الرسالة، ورد عليهم، ومن ثم جاءت بعد ذلك هذه الأقسام وجوابها وَالْقَمَرِ قال النسفي: أقسم به لعظم منافعه
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ أي: ولى وذهب
وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أي: أضاء وأشرق
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ أي: إن سقر لمن إحدى العظائم، قال النسفي: ومعنى: إنها إحداهن: أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظير لها، كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء. أقول: أرجع الضمير إلى سقر في هذه الآية على القول بأن آخر المجموعة السابقة وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يراد به سقر، إلا أننا رأينا أن هناك اتجاها آخر في الضمير ذكره النسفي أرجع فيه الضمير على الآيات، فليس شرطا أن نرجع الضمير إلى النار بل يمكن أن يكون التقدير: إن أعظم حادثة في الوجود هي أن يرسل الله تعالى نذيرا للبشر،
ومن ثم فسرت الآية اللاحقة هذه الواحدة التي لا أعظم منها، فقالت نَذِيراً لِلْبَشَرِ
ثم قال تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ قال ابن كثير:
(أي: لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويتولى ويردها) ، وقال النسفي: (أي: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير أو يتأخر عنه) ، وعن الزجاج: