لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلى ما أمر أَوْ يَتَأَخَّرَ عما نهي. أقول: أقسم الله عزّ وجل بما أقسم به أن النار من أعظم ما ينذر به الكافر والمؤمن على السواء، أو أقسم الله عزّ وجل بما أقسم به أن من أعظم الأشياء الكبيرة أن يرسل الله نذيرا للبشر لمن يختار الهداية، أو يختار الضلال على السواء،
ثم بين الله عزّ وجل، لم كانت هذه القضية أعظم الأشياء، بأن ذكر حال الناس يوم القيامة حيث لا ينجو إلا من قبل دعوة النذير فصلى وأنفق وآمن فقال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي: رهن، قال النسفي: والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك، وقال ابن كثير في تفسير (رهينة) : أي: معتقلة بعملها يوم القيامة
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ أي:
إلا المسلمين الذين قبلوا الإنذار وعملوا بمقتضاه، فإنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يخلص
الراهن رهنه بأداء الحق فهؤلاء
فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ أي: يسأل بعضهم بعضا، أو يتساءلون فيسألون المجرمين
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ أي:
ما أدخلكم فيها، والصيغة تفيد أنه بعد التساؤل عنهم صار سؤال لهم
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي: لم نكن مسلمين نصلي كما يصلون، ونطعم كما يطعمون. قال ابن كثير: أي: ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ قال النسفي:(الخوض: الشروع في الباطل، أي:
نقول الباطل والزور في آيات الله)وقال ابن كثير: أي: نتكلم فيما لا نعلم، وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ أي: بالحساب والجزاء أي: باليوم الآخر
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ أي: الموت
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ أي: من الملائكة والنبيين والصالحين؛ لأنها للمؤمنين دون الكافرين، وفي الآية دليل لثبوت الشفاعة للمؤمنين. قال ابن كثير: أي: من كان متصفا بمثل هذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإن له النار لا محالة خالدا فيها