وهذه سمة من سمات مرونة الشريعة الإسلامية العادلة الرحيمة. أما علامات الوقف فلها أدوار إيجابية في إرشاد قراء القرآن وتوجيههم إلى كيفية التعامل مع الجمل والتراكيب القرآنية حين تُتلى في صلاة أو في غير صلاة.
والواقع أن كل هذه المضافات إلى رسم كلمات المصحف فوق أنها والله سبحانه وتعالى أعلم وسائل إيضاح كما تقدم، اجتلبت من أجل خدمة النص القرآني، تؤدي في الوقت نفسه خدمة جليلة لمعاني المفردات والتراكيب القرآنية. وقد أشرنا من قبل إلى مهمات النقط فوق أو تحت الحروف، وعلامات الضبط الأربع: الفتحة والضمة والكسرة والسكون، فوق أو تحت رسم الكلمات.
ونسوق الآن تمثيلاً سريعًا للمهام الجليلة التي تؤديها علامات الوقف، التي توضع فوق نهايات الكلمات التي يُوْقَفُ عليها أو لا يُوقف:
قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هوصلى، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (11) .
نرى العلامة (صلى) فوق حرف الواو في كلمة"هو"وهي ترمز إلى أن الوقف على هذه الكلمة"هو"جائز ووصلها بما بعدها وهو"وإن يمسسك"جائز كذلك إلا أن الوصل، وهو هنا تلاوة الآية كلها دفعة واحدة بلا توقف، أولى من الوقف.
والسبب في جواز الوقف والوصل هنا أن كلاً من الكلامين معناه تام يحسن السكوت عليه، وكذلك يحسن وصله بما بعده لأنهما كلامان بينهما تناسب وثيق، ومن حيث البناء التركيبى، هما شرط"إنْ"، وفِعْلا الشرط فيهما فعل مضارع، وهما فعل واحد تكرر في شرطى الكلامين"يمسسك"والفاعل هو"الله"فيهما. الأول اسم ظاهر، والثاني ضمير عائد عليه، أما كون الوصل أولى من الوقف، فلأن التناسب بين الكلامين أقوى من التباين لفظًا ومعنى، مع ملاحظة أن جواز الوقف يتيح لقارئ القرآن نفحة من راحة الصمت، ثم يبدأ رحلة التلاوة بعدها وقوله تعالى: (قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل قلى فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهرًا) (12) .
علامة الوقف (قلى) موضوعة فوق اللام الثانية من كلمة"قليل"وترمز إلى جواز الوصل والوقف على كلمة"قليل"وأن الوقف عليها أولى من وصلها بما بعدها، وفي الوقف راحة لنفس القارئ كما تقدم.
وجواز الوقف لتمام المعنى في الجزء الأول من الآية.
وجواز الوصل، فلأن الجزء الثاني من الكلام مفرع ومرتب على الجزء الأول (13) .