وسر ذلك اللزوم؛ أن الوصل يوهم معنى فاسدًا غير مراد، لأنه سيترتب عليه أن يكون قوله تعالى:"الذين خسروا أنفسهم"وصفًا ل"أبناءهم"وهذا غير مراد، بل المراد ما هو أعم من"أبناءهم"وهم الذين خسروا أنفسهم في كل زمان ومكان. فهو حكم عام في الذين خسروا أنفسهم، وليس خاصًا بأبناء الذين آتاهم الله الكتاب.
هذه هي علامات الوقف، وتلك هي نماذج من المعاني الحكيمة التي تؤديها، أو جاءت رامزة إليها، وبقيت حقيقة مهمة، لابد من الإشارة إليها.
إن خصوم القرآن يعتبرون علامات الوقف تعديلاً أُدْخِل على القرآن، بعد عصر النزول وعصر الخلفاء الراشدين.
وهذا وهم كبير وقعوا فيه، لأن هذه العلامات وغيرها ليست هي التي أوجدت المعاني التي أشرنا إلى نماذج منها، فهذه المعاني التي يدل عليها الوقف سواء كان جائز الطرفين، أو الوقف أولى من الوصل أو الوصل أولى من الوقف، أو الوقف اللازم أو الوقف الممنوع. هذه المعاني من حقائق التنزيل وكانت ملحوظة منذ كان القرآن ينزل، وكان حفاظ القرآن وتالوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبقونها في تلاوتهم للقرآن، قبل أن يُدوَّن
القرآن في"المصحف"هذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون معروفًا للجميع، أما وضع هذه العلامات في عصر التابعين فجاءت عونًا لغير العارفين بآداب تلاوة القرآن، دون أن تكون بشكلها جزءا من التنزيل (19) .
تنسيق المصحف:
نعنى ب: تنسيق المصحف"الفواصل بين سوره ب:"بسم الله الرحمن الرحيم"وترقيم آيات كل سورة داخل دوائر فاصلة بين الآيات، ووضع خطوط رأسية تحت مواضع السجود في آيات القرآن، ثم الألقاب التي أطلقت على مقادير محددة من الآيات مثل:"
الربع الحزب الجزء. لأن هذه الأعمال إجراءات بشرية خالصة أُلْحِق بعضها بسطور المصحف، وهو ترقيم الآيات وَوُضِع بعضها تحتها، كعلامات السجود في أثناء التلاوة.
أما ماعدا هذين فهي إجراءات اعتبارية عقلية، تدل عليها عبارات موضوعة خارج إطار أو سُور الآيات.
وليس في هذا مطعن لطاعن؛ لأنّاَ نقول كما قلنا في نظائره من قبل إنها وسائل إيضاح وتوجيه لقرَّاء القرآن الكريم توضع خارج كلمات الوحي لا في متونها، وتؤدي خدمة جليلة للنص المقدس مقروءاً أو متْلُوًّا.
ولا يدعى مسلم أنها لها قداسة النص الإلهي، أو أنها نازلة من السماء بطريق الوحي الأمين.