والمستشرقون الذين يشاركون المبشرين (20) في تَصيُّد التهم للقرآن، ينهجون هذا النهج"التنسيقى"في أعمالهم العلمية والفكرية، وبخاصة في تحقيق النصوص فيضعون الهوامش والملاحق والفهارس الفنية لكل
ما يقومون بتحقيقه من نصوص التراث. ولهم مهارة فائقة في هذا المجال، ولم نر واحدًا منهم ينسب هذه الأعمال الإضافية إلى مؤلف النص نفسه، كما لم نر أحدًا منهم عدَّ هذه الإضافات تعديلاً أو تحريفًا أو تغييرًا للنص الذي قام هو بتحقيقه وخدمته.
بل إنه يعد هذه الأعمال الإضافية وسائل إيضاح للنص المحقق. وتيسيرات مهمة للقراء.
وهذا هو الشأن في عمل السلف رضي الله عنهم في تنسيق المصحف الشريف، وهو تنسيق لا مساس له ب"قدسية الآيات"لأنها وضعت في المصحف على الصورة التي رُسِمَتْ بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تاريخ القرآن (21)
هذا هو تاريخ القرآن، منذ نزلت أول سورة منه، إلى آخر آية نزلت منه، كان كتابًا محفوظا في الصدور، متلوًّا بالألسنة، مسطورًا على الرقاع، ثم مجموعًا في مصاحف، لم يخضع لعوامل محو وقرض، ولا آفات ضياع، وضعته الأمة في"أعينها"منذ نَزَلَ فلم يضل عنها أو يغب، ولم تضل هي عنه أو تغب، تعرف مصادره وموارده، على مدى عمره الطويل، تعرفه كما تعرف أبناءها، بلا زيغ ولا اشتباه.
هذا هو تاريخ القرآن، وضعناه وضعًا موجزًا، لكنه مُلِمٌّ بمعالم الرحلة، كاشفًا عن أسرارها. وضعناه لنقول لخصوم القرآن والإسلام:
هل في تاريخ القرآن ما يدعو إلى الارتياب فيه، أو نزع الثقة عنه؟
وهل أصاب آياته المحكمة خلل أو اضطراب؟
وهل رأيتموه غاب لحظة عن الأمة، أو الأمة غابت عنه لحظة؟
وهل رأيتم فيه جهلاً بمصدره ونشأته وتطور مراحل جمعه وتدوينه؟ أو رأيتم في آياته تغييرًا أو تبديلاً؟
تلك هي بضاعتنا عرضناها في سوق العرض والطلب غير خائفين أن يظهر فيها غش أو رداءة، أو تصاب ببوار أو كساد من منافس يناصبها العداء.
هذا هو ما عندنا. فما هو الذي عندكم من تاريخ الكتاب المقدس بعهديه (22) .
القديم (التوراة) التي بين أيدى اليهود الآن، والجديد (الأناجيل) التي بين أيدى النصارى الآن.
ما الذي تعرض له الكتاب المقدس في تاريخه الأول المقابل لفترة تاريخ القرآن، التي فرغنا من عرضها؟
تعالوا معنا نفحص تلك الفترة من تاريخ الكتاب المقدس في رحلته المبكرة:
مولد التوراة وتطورها: