"وإذا كان إعدام هذه المخطوطات الفردية يبدو فيه شيء من القسوة في الوقت الذي لم يوجد فيه بالفعل أي تحريف على الإطلاق، فإنه يدل مع ذلك على أن عثمان كان بعيد النظر، وعميقًا في إدراك حقيقة الأمور، ويرجع فضل تمتع المسلمين اليوم بوحدة كتابهم واستقراره إلى هذا العمل المجيد من جانب عثمان."
ومهما أضيف إلى المصحف العثماني من علامات خارجية ابتكرها أبو الأسود الدؤلى وأتباعه، ونصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، والحسن البصري، والخليل بن أحمد فإن النص (الإلهي) باق كما هو على الدوام، يتحدى فعل الزمن، ووجود بعض الحروف الزائدة (لحكمة) أو الكلمات المدغمة التي اقتصرت على كتابة المصحف في جميع نسخ القرآن إلى اليوم، المطبوع منها والمخطوط، يُعد شهادة بليغة على الأمانة التي انتقل بها البناء القرآني من جيل إلى جيل، حتى وصل إلينا بهذا الكمال المنقطع النظير (1) .
فإن قالوا: إن بعض المصاحف تختلف في عدد سور القرآن من أربع عشرة ومائة سورة، إلى اثنتى عشرة ومائة سورة، إلى ست عشرة ومائة سورة (2) .
وكذلك تختلف المصاحف في عدِّ آيات القرآن كله، وفي كلماته وعدد حروفه. فكيف تقولون إن تعدد المصاحف عندكم كائن على صورة واحدة. وإن كل مصحف تكرار لما عداه من مصاحف؟
إن قالوا هذا قلنا لهم، إن الاختلاف في هذه الأعداد كلها لا يخرج"المصاحف"عن الوحدة والتطابق التام بينها؛ لأن النصوص الموحى بها من الله عز وجل إلى خاتم رسله واحدة في جميع المصاحف، فمثلاً من قال إن عدد سور القرآن ثلاث عشرة ومائة سورة اعتبر سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة؛ لإنهما لم يفصل بينهما ب"بسم الله الرحمن الرحيم"، وكذلك الاختلاف في عدد آيات القرآن الكريم مرجعه جَعْل آيتين آية واحدة، وهكذا. وسواء عدت الآيتان آية واحدة، أو عدتا آيتين فنصهما موجود في المصحف الشريف. والاختلاف في العدد لا مساس فيه بالمعدود، وهو النصوص التي نزل بها الوحي الأمين. فالنصوص مسطورة في المصحف، أما تعدادها فأمر اعتبارى خارج عنها، ووصف عارض طارئ عليها. فالإصابة والخطأ فيه لا ينعكس بأى حال على حقيقة النصوص المذكورة