مع ملاحظة مهمة ينبغي أن نستحضرها في أذهاننا ونحن نتصدى فيما يأتي للرد على الشبهة التي سيوردها خصوم القرآن من مدخل: تعدد قراءات القرآن أن هذه القراءات لا تشمل كل كلمات القرآن، بل لها كلمات في الآية دون كلمات الآية الأخرى، وقد رأينا في الآية السابقة أن كلمات الآية لم تشملها القراءات، بل كانت في كلمة واحدة هي"أنفسكم".
وهذا هو شأن القراءات في جميع القرآن، كما ينبغي أن نستحضر دائمًا أن كثيرًا من الآيات خلت من تعدد القراءات خلوًّا تامًّا.
ومثال آخر، قوله تعالى:
"مالك يوم الدين"والشاهد في الآية كلمة"مالك"، وفيها قراءتان:
"مالك"اسم فاعل من"مَلِكَ"وهي قراءة حفص وآخرين."مَلِك"صفة لاسم فاعل، وهي قراءة: نافع وآخرين.
ومعنى الأولى"مالك"القاضى المتصرف في شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة.
أما معنى"مَلِك"فهو أعم من معنى"مالك"أي من بيده الأمر والنهي ومقاليد كل شيء. ما ظهر منها وما خفى.
وكلا المعنيين لائق بالله تعالى، وهما مدح لله عز وجل.
ولما كانت هذه الكلمة تحتمل القراءتين كتبت في الرسم هكذا"ملك"بحذف الألف بعد حرف الميم، مع وضع شرطة صغيرة رأسية بين الميم واللام، ليصلح رسمها للنطق بالقراءتين.
ومثال ثالث هو قوله تعالى:
(يوم يُكشف عن ساق) (2) .
والشاهد في الآية كلمة"يُكشَف"وفيها قراءتان الأولى قراءة جمهور القراء، وهي"يُكشف"بضم الياء وسكون الكاف، وفتح الشين. بالبناء للمفعول، والثانية قراءة ابن عباس"تَكْشِفُ"بفتح التاء وسكون الكاف، وكسر الشين، بالبناء للفاعل، وهو الساعة، أي يوم تكشف الساعة عن سياق. قرأها بالتاء، والبناء للمعلوم، وقرأها الجمهور بالياء والبناء للمجهول.
والعبارة كناية عن الشدة، كما قال الشاعر:
كشفت لهم ساقها * * * وبدا من الشر البراح (3) .
هذه نماذج سقناها من القراءات القرآنية تمهيدًا لذكر الحقائق الآتية:
-إن القراءات القرآنية وحي من عند الله عز وجل.
-إنها لا تدخل كل كلمات القرآن، بل لها كلمات محصورة وردت فيها، وقد أحصاها العلماء وبينوا وجوه القراءات فيها.
-إن الكلمة التي تقرأ على وجهين أو أكثر يكون لكل قراءة معنى مقبول يزيد المعنى ويثريه.
-إن القراءات القرآنية لا تؤدي إلى خلل في آيات الكتاب العزيز، وكلام الله الذي أنزله على خاتم رسله عليهم الصلاة والسلام.