والموطن الثالث الذي يكون فيه الصبر، وفضله كبير لأنه يحمي الجماعة، وهو"حين البأس"، والبأس هنا هو الحرب وقال تعالى:"حين"إشارة إلى أن الحرب تجيء وقتًا بعد وقت، وليست مستمرة، وإن استمرت أمدا طويلا تبدل الرجال بعد الرجال، ولا يحارب الجيش كله.
وأصل البأس الشدة، ومنه قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَفم بِعَذَابٍ بَئِيسٍ. . .) ، أي شديد، وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة، وإن هؤلاء الذين كانت حالهم برا قد قرر تعالى حكمه فيهم فقال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمتَّقُونَ) .
الإشارة الأولى والثانية إلى الذين اتصفوا بالبر، حتى كأنهم هم البر في أعمالهم المؤلفة للقلوب، والمقربة للنفوس، وصفاتهم المثبتة لقوة الإيمان وحسن العمل، والإشارة إلى الأوصاف كما ذكرنا فيها إيذان بأن هذه الأوصاف هي علة الحكم وقد حكم الله تعالى الحكم وأكده بضمير الفصل"هم"، وحكم لهم بحكمين مؤكدين: أولهما: أنهم صدقوا، والثاني: أنهم المتقون.
وهم صدقوا في إيمانهم بأن كان إيمانا ساكنا في القلب، والنفس مذعنة خاشعة، وصدقوا في العمل، فكان عملهم منبعثا من إيمانهم، وصدقوا ما عاهدوا ْالله تعالى عليه، وصدقوا في عهودهم إذا عاهدوا، وصدقوا في الصبر من غير أنين ولا ضجر، ولا تململ ولا امتعاض، وصدقوا في الحرب فلم يفروا يوم الزحف وكانوا الصابرين من غير هلع ولافزع، وطلبوا إحدى الحسنيين النصر أو الاستشهاد، فكانوا بهذه الأعمال هم الصادقون.
والوصف الثاني هو التقوى، فهم المتقون الذين وضعوا وقاية بينهم وبين العذاب، وادرعوا بطاعته فيما أمر ونهى، وهو العزيز الحكيم.
البرفى القصاص