وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) إلى آخر الآية، كُتِب تدل على الفرضية المؤكدة مما يؤكد به القول عادة وهو الكتابة المقيدة المسجلة.
وقد قال بعض الفقهاء: إن الوصية لمن كان عنده مال يسمى"خيرا"تكون واجبة، وقد احتجوا بما روي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"وإذا استدل على هذا بأن ذلك إذا أراد الوصية، فإذا لم يردها لَا جناح عليه إذا لم يوص ولم
يكتبْ، فنقول إنه بعد ذكر صيغة الوجوب، وهي"كتب"الدالة على الفرضية يكون الحديث دالا على الكتابة تنفيذًا للفرضية وتأكيدا لها، وتثبيتا، وقال الأكثرون الوصية ليست واجبة في غير الودائع، والديون التي عليه، والصدقات التي وجبت ولم يؤدها، وقد اتفق الفقهاء على وجوب الوصية في هذه الأمور التي تكون حقا عليه، ولم يقم بأدائه في حياته فيوصي به بعد وفاته.
والظاهرية من نفاة القياس قرروا أن الوصية واجبة بظاهر الوجوب في قوله تعالى: (كتِبَ عَلَيْكُمْ) وأنه إن لم يقم بذلك كان للقاضي أن يأخذ قدرا من الوصية يعطيه لمن يستحقه أي قدر كان.
وقد علق تعالى طلب الوصية على وجود قدر من المال يسمى"خيرا"فقال تعالى: (إِن تَرَكَ خَيْرًا) وما المراد بالخير؛ قال بعض العلماء: إن أي قدر من المال خير، لأن الله تعالى سماه خيرا فقال تعالى: (ومَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتمْ لَا تُظْلَمُونَ) ، وإن المال القليل يطلق عليه إنه خير؛ ولذا قال تعالى عن موسى عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ، وإطلاق كلمة خير على المال قل أو جل لأنه سبيل للخير، وخلق المال لجلب الخير، ودفع الضر.