فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد جرى العمل من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتل الرجل بالمرأة، وبعد أن ذكر وجوب القصاص؛ وهو أساس العدل .. ذكر هنا العفو؛ وهو مقتضى التراحم والفضل، فقال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} ؛ أي: فالقاتل الذي ترك له {مِنْ} دم {أَخِيهِ} المقتول {شَيْءٌ} من العفو، ولو يسيرًا، كأن عفى بعض أولياء الدم - ولو واحد. فيما إذا تعددوا .. سقط عنه القود ووجبت الدية إن حصل العفو عليها {فـ} حينئذٍ وجب على العافي الذي هو ولي الدم {اتباع} القاتل ومطالبته {بـ} الدية على الوجه {المعروف} شرعًا؛ وهو أن يطالبه بالمال من غير تشديد عليه ولا عنف، ولا يطالبه بأكثر من حقه، ويأخذه منه في ثلاث سنين إن كانت دية تامة، أو في سنتين إن كان ثلثي الدية أو نصفًا، وإن كان ثلثها ففي عامه، {و} على القاتل المطلوب بالمال {أداء} ؛ أي: تأدية المال {إِلَيْهِ} ؛ أي: إلى الولي العافي {بِإِحْسَانٍ} ؛ أي: بسهولة من غير مماطلة ولا تسويف ولا بخس، بل بطيب نفس، وطلاقة وجه، وقول جميل. {ذَلِكَ} الحكم الذي شرعناه لكم من جواز العفو على الدية {تَخْفِيفٌ} ؛ أي: تسهيل ورخصة {مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} منه للقاتل بسلامته من القتل؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى شرع لهذه الأمة المحمدية العفو من غير عوض أو بعوض، ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود؛ فإنه أوجب عليهم القصاص ولا عفو، وكما ضيق على النصارى؛ فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية، وهذه الأمة خيِّرت بين القصاص وبين العفو والدية تخفيفًا من الله؛ إذ فيه انتفاع الولي بالدية، وحصول الأجر بالعفو، واستبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس هيِّنٌ في استبقائها، وأضاف هذا التخفيف إلى الرب؛ لأنه المصلح لأحوال عباده الناظر لهم في تحصيل ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية، وعطف {وَرَحْمَةٌ} على {تَخْفِيفٌ} ؛ لأن من استبقى مهجتك بعد استحقاق إتلافها .. فقد رحمك، وأي رحمة أعظم من استبقاء المهجة.