فهرس الكتاب
8 -ومن الفوائد المذكورة: أن الله تعالى أطلع هذه الأمة على تعجيل هلاك الأمم، وتنكيله بهم، وتنويع إهلاكهم، وتدميرهم، وتضييقه عليهم في الشرائع كالأغلال، والآصار التي كانت على بني إسرائيل، وتكليفهم في التوبة أن يقتلوا أنفسهم، وتحريم ما حرموا على أنفسهم، وتكليف من أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة أن يقطع موضعها منه، وأن من عمل منهم ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه، إلى غير ذلك.
ثم خفف الله تعالى ذلك كله على هذه الأمة، وجعل دينها سهلاً، وشرعها سمحاً يسيراً، لا حرج عليهم فيه، ولا تكليف عليهم فوق طاقتهم، ثم فضَّلهم بتضاعيف الأعمال والأفعال، وأثابهم على الخطرات والهمم، ولم يكلفهم بها، ولم يؤاخذهم بسببها، ولا بالخطأ ولا بالنسيان ولا بما استكرهوا عليه - ولو كان كفراً - إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان، وزادهم فضائل وشمائل، وخصائص وخصائل، وجعل شريعة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لجميع الشرائع، حتى لو أن موسى عليه السلام كان حياً، أو غيره من الأنبياء عليهم السلام لما وسعهم إلا اتباعه - صلى الله عليه وسلم -،
والانقياد له، والاقتداء به، ولو أدركته الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لوجب عليهم نصره، والإيمان به لما أخذ الله عليهم من الميثاق بذلك.
فإذا علمَتْ هذه الأمة ذلك إجمالاً، ونظرت في مفرداته تفصيلاً، عظم فضل الله عليهم، وكبرت نعمه عندهم، فانبعثوا للشكر، فاستوجبوا المزيد، ولا يزالون في الترقي لأن علومهم لا تنتهي، وإذا زادت علومهم، ومعارفهم ازدادت أعمالهم وطاعاتهم، ونما شكرهم، وتوالى ذكرهم، وكانوا حَمَّادين شَكَّارين ذَكَّارين جَأَّارين، فتمت بذلك نعمة الله عليهم، فتأمل ذلك؛ فإنه نفيس جداً والله سبحانه وتعالى أعلم!