فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 111

وقال صاحب الكلب: ومما يدلّ على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة النّاس من مدحه بالخير والشرّ، وبالحمد وبالذمّ، حتّى ذكر في القرآن مرّة بالحمد ومرّة بالذّم. وبمثل ذلك ذكر في الحديث، وكذلك في الأشعار والأمثال، حتى استعمل في الاشتقاقات، وجرى في طريق الفأل والطّيرة، وفي ذكر الرؤيا والأحلام، ومع الجن والحنّ والسّباع والبهائم. فإن كنتم قضيتم عليه بالشر وبالنقص، وباللؤم وبالسقوط لأنّ ذلك كلّه قد قيل فيه، فالذي قيل فيه من الخير أكثر، ومن الخصال المحمودة أشهر.

وليس شيء أجمع لخصال النقص من الخمول، لأنّ تلك الخصال المخالفة لذلك، تعطي من النّباهة وتقيم من الذكر على قدر المذكور من ذلك. وكما لا تكون الخصال التي تورث الخمول مورثة للنباهة، فكذلك خصال النّباهة في مجانبة الخمول، لأنّ الملوم أفضل من الخامل.

سنذكر طرفا ممّا أودع الله عزّ وجلّ الكلب ممّا لا تحسنه أنت أيّها الإنسان، مع احتقارك له وظلمك إيّاه.

وكيف لا تكون تلك الحكم لطيفة، وتلك المعاني غريبة، وتلك الأحساس

دقيقة، ونحن نعلم أنّ أدقّ الناس حسّا وأرقّهم ذهنا وأحضرهم فهما، وأصحّهم خاطرا وأكملهم تجربة وعلما، لو رام الشيء الذي يحسنه الكلب في كثير من حالات الكلب لظهر له من عجزه وخرقه، وكلال حدّه وفساد حسّه، ما لا يعرف بدونه إنّ الأمور لم تقسم على مقدار رأيه، ولا على مبلغ عقله وتقديره، ولا على محبّته وشهوته وأنّ الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورة والمعاونة، وإلى مكانفة ومرافدة، ولا إلى تجربة ورويّة. ونحن ذاكرون من ذلك جملا إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت