وقلت: ولو تمّ للكلب معنى السبع وطباعه، لما ألف الإنسان، واستوحش من السبع، وكره الغياض، وألف الدّور، واستوحش من البراري وجانب القفار، وألف المجالس والدّيار.
ولو تمّ له معنى البهيمة في الطبع والخلق والغذاء، لما أكل الحيوان، وكلب على النّاس. نعم حتّى ربّما كلب ووثب على صاحبه وكلب على أهله. وقد ذكر ذلك طرفة فقال: [من المنسرح]
كنت لنا والدّهور آونة ... تقتل حال النّعيم بالبؤس
ككلب طسم وقد تربّبه ... يعلّه بالحليب في الغلس
ظلّ عليه يوما يفرفره ... إلّا يلغ في الدماء ينتهس
وقال حاجب بن دينار المازنيّ في مثل ذلك: [من الطويل]
وكم من عدوّ قد أعنتم عليكم ... بمال وسلطان إذا سلم الحبل
كذي الكلب لمّا أسمن الكلب رابه ... بإحدى الدّواهي حين فارقه الجهل
وقال عوف بن الأحوص: [من الطويل]
فإنّي وقيسا كالمسمّن كلبه ... تخدّشه أنيابه وأظافره
وأنشد ابن الأعرابي لبعضهم: [من الطويل]
وهم سمّنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو ظفروا بالحزم ما سمّن الكلب
وفي المثل: «سمّن كلبك يأكلك» .
وكان رجل من أهل الشام مع الحجّاج بن يوسف، وكان يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، وأنه قد سمن فكتبت إليه امرأته: [من الطويل]
أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطين
إذا غبت لم تذكر صديقا وإن تقم ... فأنت على ما في يديك ضنين
فأنت ككلب السّوء في جوع أهله ... فيهزل أهل الكلب وهو سمين
وفي المثل: «سمن كلب في جوع أهله» ، وذلك أنه عند السّواف يصيب المال، والإخداج يعرض للنّوق، يأكل الجيف فيسمن. وعلى أنه حارس محترس منه، ومؤنس شديد الإيحاش من نفسه، وأليف كثير الخيانة على إلفه. وإنما اقتنوه على أن ينذرهم بموضع السارق، وتركوا طرده لينبههم على مكان المبيّت. وهو أسرق من كل سارق، وأدوم جناية من ذلك المبيّت. ويدلّ على أنّه سروق عندهم، قول الشاعر: [من الطويل]
أفي أن سرى كلب فبيّت جلّة ... وجبجبة للوطب ليلى تطلق
فهو سرّاق، وصاحب بيات، وهو نبّاش، وآكل لحوم النّاس. ألا إنّه يجمع سرقة الليل مع سرقة النّهار، ثم لا تجده أبدا يمشي في خزانة، أو مطبخ، أو عرصة دار، أو في طريق، أو في براريّ، أو في ظهر جبل، أو في بطن واد، إلّا وخطمه في الأرض يتشمّم ويستروح، وإن كانت الأرض بيضاء حصّاء ودوّيّة ملساء، أو صخرة خلقاء حرصا وجشعا، وشرها وطمعا. نعم حتّى لا تجده أيضا يرى كلبا إلّا اشتمّ استه، ولا يتشمّم غيرها منه، ولا تراه يرمى بحجر أيضا أبدا إلّا رجع إليه فعضّ عليه لأنّه لمّا كان لا يكاد يأكل إلّا شيئا رموا به إليه صار ينسى لفرط شرهه وغلبة الجشع على طبعه، أنّ الرامي إنّما أراد عقره أو قتله، فيظنّ لذلك أنّه إنّما أراد إطعامه والإحسان إليه. كذلك يخيّل إليه فرط النّهم وتوهمه غلبة الشّره، ولكنّه رمى بنفسه على الناس عجزا ولؤما، وفسولة ونقصا، وخاف السباع واستوحش من الصّحارى.
ولمّا سمعوا بعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ}
{مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} إنّ المحروم هو الكلب وسمعوا في المثل:
«اصنعوا المعروف ولو إلى الكلب» عطفوا عليه واتّخذوه في الدّور.
وعلى أنّ ذلك لا يكون إلّا من سفلتهم وأغبيائهم، ومن قلّ تقزّزه وكثر جهله، وردّ الآثار إمّا جهلا وإمّا معاندة.