وليس لحارس الناس ولحارس أموالهم بدّ من كلب، وكلّما كان أكبر كان أحبّ إليه. ولا بدّ لأقاطيع المواشي من الكلاب، وإلّا فإنّها نهب للذئاب ولغير الذئاب ثمّ كلاب الصّيد، حتّى كان أكثر أهل البيت عيالا على كلّ كلب.
وقد صار اليوم عند الكلب من الحكايات وقبول التلقين، وحسن التصريف في أصناف اللّعب، وفي فطن الحكايات ما ليس في الجوارح المذلّلة لذاك، المصرّفة فيه، وما ليس عند الدبّ والقرد والفيل، والغنم المكّيّة، والببغاء.
والكلب الزّينيّ الصّينيّ يسرج على رأسه ساعات كثيرة من اللّيل فلا يتحرّك. وقد كان في بني ضبّة كلب زينيّ صينيّ، يسرج على رأسه، فلا ينبض فيه نابض، ويدعونه باسمه ويرمى إليه ببضعة لحم والمسرجة على رأسه، فلا يميل ولا يتحرّك، حتّى يكون القوم هم الذين يأخذون المصباح من رأسه، فإذا زايل رأسه وثب على اللحم فأكله!. درّب فدرب وثقّف فثقف، وأدّب فقبل. وتعلّق في رقبته الزنبلة والدّوخلّة وتوضع فيها رقعة، ثم يمضي إلى البقّال ويجيء بالحوائج.
ثمّ صار القرّاد وصاحب الرّبّاح من ثمّ يستخرج فيما بين الكلب والقرد ضروبا من العمل، وأشكالا من الفطن، حتّى صاروا يطحنون عليه، فإذا فرغ من طحنه مضوا به إلى المتمعّك، فيمعّك كما يمعّك حمار المكاري وبغل الطحّان.
وقرابة أخرى بينه وبين الإنسان: أنّه ليس شيء من الحيوان لذكره حجم باد إلا الكلب والإنسان.
والكلب بعد هذا أسبح من حيّة، ولا يتعلّق به في ذلك الثّور، وذلك فضيلة له على القرد، مع كثرة فطن القرد وتشبّهه بالإنسان لأنّ كلّ حيوان في الأرض فإنّه إذا ألقي في الماء الغمر سبح، إلّا القرد والفرس الأعسر. والكلب أسبحها كلّها، حتّى إنّه ليقدّم في ذلك على البقرة والحيّة.
وفي طباع أرحام الكلاب أعجوبة لأنّها تلقح من أجناس غير الكلاب، ويلقحها كما يلقح منها، وتلقح من كلاب مختلفة الألوان، فتؤدّي شبه كلّ كلب، وتمتلئ أرحامها أجراء من سفاد كلب، ومن مرة واحدة، كما تمتلئ من عدّة كلاب ومن كلب واحد. وليست هذه الفضيلة إلّا لأرحام الكلاب.