فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 58

(جامع الإعجاز)

فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها صح أن يكون كل واحد منها معجزا فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر وحجاجه أظهر وصار كفلق البحر وإحياء الموتى لأن مدار الحجة في المعجزة إيجاد ما لا يستطيع الخلق مثله سواء كان جسما مخترعا أو جرما مبتدعا أو عرضا متوهما.

فإن قيل: أفيعتبرون عجز العرب العاربة عنه دون المولدين أو عجز الجميع؟

قيل: فيه خلاف بين أهل العلم على وجهين:

أحدهما: أن المعتبر فيه عجز الجميع ليكون أعم.

والوجه الثاني: معتبر فيه عجز العرب العاربة دون المولدين ليكون معتبرا بمن يلجأ إلى طبعه ولا يعول على تكلفه وتعلمه. وهكذا اختلفوا هل يعتبر فيه عجز أهل عصره أو في جميع دهره على هذين الوجهين:

أحدهما: يعتبر فيه عجز أهل العصر لأنهم حجة على أهل كل عصر.

والوجه الثاني: أنه يعتبر فيه عجز أهل كل عصر لعموم التحدي فيه لأهل كل عصر.

فإن قيل: فليس عجز كل الإنس عن مثله موجبا لإضافته إلى الله تعالى لجواز أن تكون الشياطين أعانت عليه حتى خرج عن مقدور الإنس كما أعانت سليمان على ما عجز عنه الإنس فعنه أجوبة:

أحدها: أن هذا يتوجه على موسى في فلق البحر وعلى عيسى في إحياء الموتى، ويقدح في جميع النبوّات فلم يجز لمن أثبتها أن يخص به بعض المعجزات.

والجواب الثاني: أن الشياطين لم يعرفوا إلّا من الرسل ولولاهم لما علم الناس أن في الدنيا شيطانا ولا جنا ولا جانا وقد جهل الرسل بلعنهم ودعوا إلى معصيتهم ولو كانوا أعوانا لدعوا إلى طاعتهم وموالاتهم لأن معونة من أطيع وولي أحق من معونة من عصى وعودي.

والجواب الثالث: أن الشياطين لا يقدرون على ذلك إلّا بمعونة الله تعالى لهم وهو لا يعين كاذبا عليه فإن كان عن أمره كان معجزا لأنه من فعله، وعلى هذا كان تسخير سليمان للجن والله تعالى غني عن الشياطين أن يكونوا سفراء إلى رسله وأعوانا لأنبيائه وهم ينهون عن طاعته ويدعون إلى معصية هذا القرآن وقد تحدى به الجن كما تحدى به الإنس بقوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)

وحكى عنهم عجزهم عنه بقوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت