الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
قد ندب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الصفح والعفو بقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}
قيل: هو الرضا بلا عتب. وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ 199}
وقال تعالى: {وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
وقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت قصورا مشرفة على الجنة، فقلت:
يا جبريل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس».
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالعفو، فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود.
وقال الحسن بن أبي الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد، من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا العافون عن الناس، وتلا قوله تعالى: {فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}
وقال علي كرم الله وجهه: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وكان المأمون رحمه الله تعالى يحب العفو ويؤثره، ويقول: لقد حبب إليّ العفو حتى أني أخاف أن لا أثاب عليه، وكان يقول: لو علم أهل الجرائم لذتي في العفو لارتكبوها، وقال: لو علم الناس حبي للعفو لما تقربوا إليّ إلا بالجنايات.
وقال علي كرم الله وجهه: إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، وقال رضي الله تعالى عنه: أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثرا إلا ويده بيد الله يرفعه، وقال رضي الله عنه: إن أول عوض الحليم عن حلمه، إن الناس أنصار له على الجاهل.
وقال المنتصر: لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم.
وقال ابن المعتز: لا تشن وجه العفو بالتقريع به.
وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به. وقال رجل لرجل سبه: إياك أعني، فقال له، وعنك أعرض.
وكان الأحنف رحمه الله تعالى كثير العفو والحلم وكان يقول: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه. وكان مشهورا بين الناس بالحلم وبذلك ساد عشيرته، وكان يقول: وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال. وقيل له: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم. كنا نختلف إليه في الحلم كما يختلف إلى الفقهاء في الفقه، ولقد حضرت عنده يوما، وقد أتوه بأخ له قد قتل ابنه، فجاءوا به مكتوفا، فقال: ذعرتم أخي أطلقوه، وأحملوا إلى أم ولدي ديته، فإنها ليست من قومنا، ثم أنشأ يقول:
أقول للنفس تصبيرا وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقيل: من عادة الكريم إذا قدر غفر، وإذا رأى زلة ستر. وقالوا: ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام. وقيل: من انتقم فقد شفى غيظه، وأخذ حقه، فلم يجب شكره، ولم يحمد في العالمين ذكره. والعرب تقول: لا سؤدد مع الانتقام، والذي يجب على العاقل إذا أمكنه الله تعالى أن لا يجعل العقوبة شيمته، وإن كان ولا بد من الانتقام، فليرفق في انتقامه إلا أن يكون حدا من حدود الله تعالى.