الفصل الخامس في الطلاق وما جاء فيه
عن عبد الرحمن بن محمد بن أخي الأصمعي قال: قال عمي للرشيد في بعض حديثه: يا أمير المؤمنين بلغني أن رجلا من العرب طلق في يوم واحد خمس نسوة، قال:
وكيف ذلك، وإنما لا يجوز للرجل غير أربعة، قال يا أمير المؤمنين: كان متزوجا بأربعة فدخل عليهن يوما، فوجدهن متنازعات وكان شريرا، فقال: إلى متى هذا النزاع؟ ما أظن هذا إلا من قبلك يا فلانة لامرأة منهن اذهبي، فأنت طالق. فقالت له صاحبتها: عجلت عليها بالطلاق، ولو أدبتها بغير ذلك لكان أصلح، فقال لها:
وأنت أيضا طالق، فقالت له الثالثة: قبحك الله، فوالله لقد كانتا إليك محسنتين، فقال لها: وأنت أيضا أيتها المعددة أياديهما طالق، فقالت الرابعة، وكانت هلالية ضاق صدرك إلا أن تؤدب نساءك بالطلاق، فقال لها، وأنت طالق أيضا. فسمعته جارة له، فأشرفت عليه، وقالت له، والله ما شهدت العرب عليك، ولا على قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم، أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة، فقال لها، وأنت أيتها المتكلمة فيما لا يعنيك طالق إن أجازني بعلك، فأجابه زوجها: قد أجزت لك ذلك. فعجب الرشيد من ذلك.
وطلق رجل امرأته، فلما أرادت الارتحال قال لها:
اسمعي وليسمع من حضر، إني والله اعتمدتك برغبة وعاشرتك بمحبة ولم أجد منك زلة ولم يدخلني عنك ملة، ولكن القضاء كان غالبا. فقالت المرأة: جزيت من صاحب ومصحوب خيرا فما استقللت خيرك ولا شكوت ضيرك ولا تمنيت غيرك ولا أجد لك في الرجال شبيها وليس لقضاء الله مدفع ولا من حكمه علينا ممنع.
وقال رجل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ فقال: يكفيه من ذلك عدد نجوم الجوزاء.
ذكر من طلق امرأته فتبعتها نفسه قال الهيثم بن عدي: كانت تحت ابن الغربان بن الأسود بنت عم له، فطلقها فتبعتها نفسه، فكتب إليها يعرض لها بالرجوع، فكتبت إليه تقول:
إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بذلا ... إنّ الغزال الذي ضيّعت مشغول
فكتب إليها يقول:
إن كان ذا شغل فالله يكلؤه ... فقد لهونا به والحبل موصول
وقد قضينا من استظرافه وطرا ... وفي الليالي وفي أيامها طول
وطلق الوليد بن يزيد زوجته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه وندم على ما كان منه، فدخل عليه أشعب فقال له: هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرة آلاف درهم، قال: أقبضنيها، فأمر له بها، فلما قبضها قال له:
هات رسالتك، قال ائتها، فأنشدها.
أسعدى هل إليك لنا سبيل ... ولا حتّى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتي ... بموت من خليلك أو فراق
قال: فأتاها أشعب، فاستأذن عليها، فأذنت له، فدخل، فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ فقال:
يا سيدتي أرسلني الوليد إليك برسالة ثم أنشدها الشعر، فقالت لجواريها: عليكن بهذا الخبيث فقال: يا سيدتي إنه دفع إليّ عشرة آلاف درهم، فهي لك، وأعتقيني لوجه الله، فقالت: والله لا أعتقك أو تبلغ إليه ما أقول لك، قال: يا سيدتي فاجعلي لي جعلا قالت: لك بساطي هذا. قال: قومي عنه، فقامت، فأخذه، وألقاه على ظهره، وقال: هاتي رسالتك، فقالت:
أتبكي على سعدى وأنت تركتها ... فقد ذهبت سعدى فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأخذته كظمة فقال لأشعب: اختر مني إحدى ثلاث إما أن أقتلك، وأما أن أطرحك من هذا القصر. وأما أن ألقيك إلى هذه السباع فتفترسك، فتحير أشعب وأطرق مليا ثم قال: يا سيدي ما كنت لتعذب عينا نظرت إلى سعدى، فتبسم وخلّى سبيله.
وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه الفرزدق الشاعر طلق النّوار، ثم ندم على طلاقها. وقال:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... بأمر ليس لي فيه اختيار
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت بها يميني ... لكان عليّ للقدر الخيار
وممن طلّق امرأته، فتبعتها نفسه، فندم قيس بن ذريح، وكان أبوه أمره بطلاقها فطلقها، وندم على ذلك فأنشأ يقول:
فنى صبري وعاودني رداعي ... وكان فراق لبنى كالخداع
تكنّفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على أمر وليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديه ... تبيّن غبنه عند البياع