الباب الخامس والخمسون في العمل والكسب والصناعات والحرف وما أشبه ذلك
أما العمل:
فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل العمل أدومه وإن قل» .
وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه:
قليل مدام عليه خير من كثير مملول. وفي التوراة: حرك يدك أفتح لك باب الرزق.
وكان إبراهيم بن أدهم يسقي ويرعى ويعمل بالكراء ويحفظ البساتين والمزارع ويحصد بالنهار ويصلي بالليل.
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما ينفي عني حجة العلم؟
قال: العمل. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» .
وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم سوءا أعطاهم الجدل ومنعهم العمل.
وأنشد يقول:
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
وقال بعض الحكماء: لا شيء أحسن من عقل زانه حلم، ومن عمل زانه علم، ومن حلم زانه صدق.
ودخل بعض الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين فقال له: عظني. فقال له الولي: بلغني رحمك الله أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى، فانظر ماذا تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملك.
فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه.
وقيل: من جدّ وجد، وأنشدوا في المعنى:
إنّي رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
وتقول العرب: فلان وثّاب على الفرص.
وقال بعضهم:
وإنّي إذا باشرت أمرا أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشده
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: يتبع الميت ثلاث.
فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ولا يرجع عمله. وقال بعضهم: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك والأركان جنود ولا يحارب الملك إلا بالجنود، ولا الجنود إلا بالملك.
وقيل: الدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم، والعلم كله هباء إلا موضع العمل، والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص، هذا هو العمل.