فهرس الكتاب
ذكر أوابدهم:
الرتم: شجر معروف كانت العرب إذا خرج أحدهم إلى سفر عمد إلى شجرة منه فيعقد غصنا منها، فإذا عاد من سفره ووجده قد انحل قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حالته قال: لم تخني.
الرئيمة: ناقة كانت العرب إذا مات واحد منهم عقلوا ناقته عند قبره وسدوا عينيها حتى تموت. يزعمون أنه إذا بعث من قبره ركبها.
التعمية والتفقئة: كان الرجل إذا بلغت إبله ألفا قلع عين الفحل. يقولون إن ذلك يدفع عنها العين، فإذا ازدادت على الألف فقأ عينه الأخرى.
العرداء: يصيب الإبل شبه الجرب، كانوا يكوون السليمة ويزعمون أن ذلك يبرئ داء العر.
ضرب الثور عن البقر، كانت البقر إذا امتنعت عن الشرب ضربوا الثور، يزعمون أن الجن يركبون الثيران فيصدون البقر عن الشرب.
الهامة: كانوا يزعمون أن الإنسان إذا قتل ولم يؤخذ بثأره يخرج من رأسه طائر يسمى الهامة وهو كالبومة، فلا يزال يصيح على قبره: «اسقوني» إلى أن يؤخذ بثأره.
وكان للعرب مذاهب في الجاهلية في النفس وتنازع في كيفياتها، فمنهم من زعم أن النفس هي الدم وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم الإنسان الذي منه نفسه.
وقالوا: إن الميت لا يوجد فيه الدم وإنما يوجد في الحياة مع الحرارة والرطوبة، لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة، فإذا مات ذهبت حرارته وحل به اليبس والبرودة.
وطائفة منهم يزعمون أن النفس طائر ينشط من جسم الإنسان إذا مات أو قتل، ولا يزال متصورا في صورة الطائر يصرخ
على قبره مستوحشا له وفي ذلك يقول بعضهم:
سلّط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام
ثم جاء الإسلام، والعرب ترى صحة أمر الهام، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هام» .
وزعموا أن هذا الطائر يكون صغيرا ويكبر حتى يصير كضرب من البوم ويتوحش ويصرخ، ويوجد في الديار المعطلة والنواويس ومصارع القتلى، ويزعمون أن الهامة لا تزال عند ولد الميت لتعلم ما يكون من خبره فتخبر الميت. والصفر زعموا أن الإنسان إذا جاع عض على شر سرفه الصفر وهي حية تكون في البطن. تثنية الضربة:
زعموا أن الحية تموت في أول ضربة، فإذا ثنيت عاشت.
الغيلان والتغول للعرب:
في الغيلان والتغول أخبار وأقاويل، يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات في أنواع الصور فيخاطبونها وتخاطبهم، وزعمت طائفة من الناس أن الغول حيوان مشؤوم وأنه خرج منفردا لم يستأنس وتوحش، وطلب القفار، وهو يشبه الإنسان والبهيمة ويتراءى لبعض السفار في أوقات الخلوات وفي الليل.
وحكي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رآه في سفره إلى الشام فضربه بالسيف. وقال الجاحظ:
الغول كل شيء يتعرض للسيارة ويتلون في ضروب من الصور والثياب وفيه خلاف، وقالوا: إنه ذكر وأنثى إلا أن أكثر كلامهم أنه أنثى. وأما القطرب في قولهم، فهو نوع من الأشخاص المتشيطنة يعرف بهذا الاسم فيظهر في أكناف اليمن وصعيد مصر في أعاليه، وربما أنه يلحق الإنسان فينكحه، فيدود دبره فيموت. وربما نزا على الإنسان وأمسكه فيقول أهل تلك النواحي التي ذكرناها:
أمنكوح هو أو مذعور؟ فإن كان قد نكحه أيسوا منه، وإن كان قد ذعر سكن روعه وشجع قلبه، وإذا رآه الإنسان وقع مغشيا عليه، ومنهم من يظهر له فلا يكترث به لشهامته وثبات قلبه.
ذكر الهواتف:
أما الهواتف: فقد كانت كثرت في العرب وكان أكثرها أيام ولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن من حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.
ومن عجيب ما حكي من أمر الهواتف:
ما حكاه أبو عمرو بن العلاء قال: خرجنا حجاجا، فصاحبنا رجل وجعل يقول في طريقه:
ليت شعري هل بغت علي. فلما انصرفنا من مكة قالها في بعض الطريق، فأجابه صوت في الظلام: نعم نعم مع حجية. وهو رجل أحمر ضخم في قفاه كية. فسكت الرجل، فلما سرنا إلى البصرة أخبرنا ذلك الرجل قال:
دخل جيراني يسلمون عليّ فإذا فيهم رجل أحمر ضخم في قفاه كية، فقلت لأهلي من هذا؟ قالت: رجل كان ألطف جيراننا بنا، فجزاه الله خيرا، فسألتها عن اسمه، فقالت حجية، فقلت: إلحقي بأهلك.
وأما بكاء المقتول، فكانت النساء لا يبكين المقتول حتى يؤخذ بثأره فإذا أخذ بثأره بكينه.
وأما رمي السن، فكانوا يزعمون أن الغلام إذا ثغر، فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه، وقال: أبدليني بأحسن منها، فإنه يأمن من على أسنانه العوج والفلج.
وأما خضاب النحر، فكانوا إذا أرسلوا الخيل على الصيد، فسبق واحد منها خضبوا صدره بدم الصيد علامة.
وأما نصب الراية: فكانت العرب تنصب الرايات على أبواب بيوتها لتعرف بها.
وأما جز النواصي: فكانوا إذا أسروا رجلا ومنّوا عليه، وأطلقوه جزوا ناصيته.
وأما الالتفات: فكانوا يزعمون أن من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره، فإن التفت تطيروا له.
وكانوا يقولون: من علق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أن الجن تهرب من الأرانب لأنها تحيض وليست من مطايا الجن.
ويزعمون أن المرأة إذا أحبت رجلا وأحبها ثم لم يشق عليها رداءه وتشق عليه برقعها فسد حبهما.
ويزعمون أن الرجل إذا قدم قرية، فخاف وباءها، فوقف على بابها قبل أن يدخلها ونهق كما تنهق الحمير لم يصبه وباؤها.
ويزعمون أن الحرقوص وهو دويبة أكبر من البرغوث تدخل في فروج الأبكار فتفتضهن.
ويزعمون أن الرجل إذا ضل، فقلب ثيابه اهتدى.
وكانوا يزعمون أن الناقة إذا نفرت وذكر اسم أمها فإنها تسكن.
وكانت لهم خرزة يزعمون أن العاشق إذا حكها وشرب ما يخرج منها صبر وتسمى السلوان. ونكاح المقت من سنتهم وهو أن الرجل إذا مات قام ولده الأكبر فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له بها حاجة زوجها لبعض أخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون المال.
ولهم حكايات عجيبة وأحوال غريبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.