الفصل الثاني في أحكام أهل الذمة
روي عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبنا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى أهل الشام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من نصارى مدينة كذا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حواليها كنيسة ولا ديرا ولا قلية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان مختطا منها في خطط المسلمين في ليل ولا في نهار، وإن نوسع أبوابها للمار وابن السبيل وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ولا نكتمه عن المسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قراباتنا الدخول في دين الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس وأن لا نتشبه بالمسلمين في شيء من ملابسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب في السروج ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمر وأن تجز مقادم رؤوسنا ونلزم زيّنا حيثما كنا، وأن نشد الزنار على أوساطنا ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيء من أسواق المسلمين وطرقهم، ولا نضرب بالنواقيس في كنائسنا إلا ضربا خفيفا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نتطلع على منازلهم، وقد شرطنا ذلك على أنفسنا وعلى أهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم، وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل بنا ما يحل بأهل المعاندة والشقاق.
فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن امض ما سألوه والحق فيه حرفين واشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم، أن لا يشتروا شيئا من سبايا المسلمين ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده.
وروي أن بني ثعلبة دخلوا على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقالوا يا أمير المؤمنين إنا قوم من العرب افرض لنا.
قال: نصارى؟
قالوا: نصارى.
قال: ادعوا إلي حجاما، ففعلوا فجز نواصيهم وشق من أرديتهم حزما يحتزمون بها، وأمرهم أن لا يركبوا بالسروج وأن يركبوا على الأكف من شق واحد.
وروي أن أمير المؤمنين الخليفة جعفرا المتوكل أقصى اليهود والنصارى ولم يستعملهم وأذلهم وأبعدهم وخالف بين زيهم وزي المسلمين وقرب منه أهل الحق وأبعد عنه أهل الباطل، فأحيا الله به الحق وأمات به الباطل، فهو يذكر بذلك، ويترحم عليه ما دامت الدنيا.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
لا تستعملوا اليهود والنصارى، فإنهم أهل رشا في دينهم ولا يحل في دين الله الرشا.
ولما استقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه من البصرة وكان عاملا بها للحساب، دخل على عمر وهو في المسجد فاستأذن لكاتبه وكان نصرانيا، فقال له عمر: قاتلك الله وضرب بيده على فخذه، ولّيت ذميا على المسلمين، أما سمعت الله تعالى يقول: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} الآية.
هلا اتّخذت حنيفيا؟ فقال:
يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزّهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.