فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 505

الفصل الثاني في الأولا وحقوقهم وذكر النجباء والأذكياء والبلداء والأشقياء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الولد ريحانة من الجنة» .

وقال الفضل: ريح الولد من الجنة. وكان يقال: ابنك ريحانتك سبعا ثم حاجبك سبعا، ثم عدو أو صديق.

وعن ابي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قلت لسيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل يولد لأهل الجنة؟ قال: والذي نفسي بيده إن الرجل يشتهي أن يكون له ولد، فيكون حمله ووضعه وشبابه الذي ينتهي إليه في ساعة واحدة.

وقيل: من حق الولد على والده أن يوسع عليه حاله كي لا يفسق. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبّحه وتذكره.

وقال رضي الله تعالى عنه: أكثروا من العيال، فإنكم لا تدرون بمن ترزقون.

وقال شبيب بن شبة: ذهب اللذات إلا من ثلاثة: شم الصبيان، وملاقاة الأحزان، والخلوة مع النسوان.

ودخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب، فقال: انبذها عنك، فإنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء ويورثن الضغائن. قال: لا تقل يا عمرو ذلك. فوالله ما مرّض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الإخوان إلا هن. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنك حببتهن إليّ.

وقيل لرجل: أي ولدك أحب إليك؟ قال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يحضر.

وقال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية: إن ولدت غلاما فلك حكمك، فلما ولدت قالت: حكمي أن تطعم سبعة أيام كل يوم على ألف خوان من فالوذج، وإن تعق بألف شاة، ففعل لها ذلك.

وغضب معاوية على يزيد، فهجره، فقال الأحنف:

يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة وبهم نصول على كل جليلة، فإن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، وإن لم يسألوا فابتدئهم، ولا تنظر إليهم شزرا، فيلموا حياتك ويتمنوا وفاتك. فقال معاوية: يا غلام إذا رأيت يزيد فاقرأه السلام، واحمل إليه مائتي ألف درهم، ومائتي ثوب، فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقيل له: الأحنف.

فقال يزيد بن معاوية: عليّ به، فقال: يا أبا بحر كيف كانت القصة؟ فحكاها له، فشكر صنيعه، وشاطره الصلة.

حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يوما فأمر بإحضار الأمين والمأمون ولديه، قال: فلم يلبث قليلا أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما ووقارهما وقد غضّا أبصارهما حتى وقفا في مجلسه، فسلما عليه بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء، فاستدناهما، وأسند محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابا من النحو، فما سألتهما شيئا إلا أحسنا الجواب عنه، فسره ذلك سرورا عظيما، وقال كيف تراهما؟ فقلت:

أرى قمريّ أفق وفرعين شامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد

سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد

يسدّان أنفاق النفاق بشيمة ... يزينهما حزم وسيف مهنّد

ثم قلت: ما رأيت - أعز الله أمير المؤمنين- أحدا من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما ألسنا، ولا أحسن ألفاظا، ولا أشد اقتدارا على الكلام روية وحفظا منهما، أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الإسلام تأييدا وعزا، ويدخل بهما على أهل الشرك ذلا وقمعا. وأمّن الرشيد على دعائه، ثم ضمهما إليه، وجمع عليهما يديه، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج وقال: كأني بهما وقد دهم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وقد تشتّت أمرهما، وافترقت كلمتهما بسفك الدماء، وتهتك الستور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت