الفصل الثاني في الشيب وفضله
أول من شاب سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. وفي الخبر أن الله تعالى يقول: «الشيب نوري وأنا أستحي أن أحرقه بناري» .
وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: جاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ وشاب، فتكلم الشاب قبل أن يتكلم الشيخ، فقال عليه الصلاة والسلام: «كبّر كبّر» .
وبهذه الرواية: من وقر كبيرا لكبر سنه آمنه الله من فزع يوم القيامة.
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى تعالى وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ أني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما» .
ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله. وقال: من بلغ ثمانين من هذه الأمة حرمه الله على النار. وقال: إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات.
وقيل: كان الرجل فيمن كان قبلكم لا يحتلم حتى يبلغ ثمانين سنة. وقال ابن وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة، فبكته الانس والجن لحداثة سنه. وقال النخعي: كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير عنه حتى يموت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: «من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار» .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال ملك الموت لنوح عليه الصلاة والسلام، يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل في بيت له بابان، فقام وسط البيت ساعة ثم خرج من الباب الثاني. ويقال: أطع أكبر منك ولو بليلة. وقال عبد العزيز بن مروان: من لم يتعظ بثلاث لم ينته بشيء:
الإسلام، والقرآن، والشيب.
قال الشاعر:
يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يجب
ما عذر من يعمر بنيانه ... وعمره منهدم يخرب
وقال الشعبي: الشيب علة لا يعاد منها ومصيبة لا يعزى عليها، وقال الفرزدق:
ويقول كيف يميل مثلك للظبا ... وعليك من عظم المشيب عذار
والشيب ينقص في الشباب كأنّه ... ليل يصيح بعارضيه نهار
وقال أبو دلف في بياض اللحية:
تكوّنني همّ لبيضاء نابته ... لها بغضة في مضمر القلب ثابته
ومن عجب أنّي إذا رمت قصّها ... قصصت سواها وهي تضحك نابته