فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 505

وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه ما يستحقه، فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية، فقالت: هلم، فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك، وأنزلته بين حرمك، فجاء معاوية، فسمع شيئا حرّكه وأطربه، فقال: والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له، ثم انصرف، فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر، وهو قائم يصلي، فنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل.

ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه: اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر، وأخبره إني قادم عليه، فذهب وأخبره، فأقام عبد الله كل من كان عنده، فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟

قال عبد الله: هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: مره، فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد. قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين. قال: إن أذني عليلة، فمره أن يرجع إلى مجلسه، وكان مجلس بديح المغنّي، فأمره عبد الله بن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية:

داو أذني من علتها، فتناول العود وغنى وقال:

ودّع سعاد فإنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل

قال: فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال له معاوية:

لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت لأبليت، ولو سئلت لأعطيت، وكان معاوية قد خضب. قال، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه، وكانت تتولى خضابه، فغنى بديح وقال:

أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم

وجددّت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم

فطرب معاوية طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي، فأجبتك وأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال: كل كريم طروب، ثم قام، وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني، ثم ذهب، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته، وإلى كل رجل منهم بألف دينار، وعشرة أثواب.

وحدّث ابن الكلبي، والهيثم بن عدي قالا: بينما عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة إذا سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا صوت رقيق لقينة تغني وتقول:

قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التّصابي على الفتى حرج

فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن، فلما رأوه قاموا إجلالا له، ورفعوا مجلسه، فأقبل عليه صاحب المجلس، وقال يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدخل مجلسنا بلا إذن، وليس هذا من شأنك؟ فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن. قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه سمعتها تقول:

قل للكرام ببابنا يلجوا.

فولجنا، فإن كنا كراما، فقد أذن لنا، وإن كنّا لئاما خرجنا مذمومين، فقبَّل صاحب المنزل يده، وقال: جعلت فداك، والله ما أنت إلا من أكرم الناس، فبعث عبد الله إلى جارية من جواريه، فحضرت ودعا بثياب وطيب، فكسا القوم، وطيبهم، ووهب الجارية لصاحب المنزل، وقال: هذه أحذق بالغناء من جاريتك.

وسمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فقال:

اطلبوه، فجاءوا به، فقال: أعد عليّ ما غنيت به، فغنى وأحفل. وكان سليمان أغير الناس، فقال لأصحابه:

كأنها والله جرجرة الفحل في الشوك، وما أظن أنثى تسمع هذا إلّا صبت إليه، ثم أمر به فخصي.

أصل الغناء ومعدنه:

قال أبو المنذر هشام: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب والسناد والهزج، فأما النصب، فغناء الفتيان والركبان، وأما السناد: فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج:

فالخفيف كله وهو الذي يستفز القلوب ويهيج الحليم.

وقيل: كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى، فاشيا ظاهرا، وهي المدينة والطائف وخيبر وفدك ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب.

ويقال: إن أول من صنع العود لامك بن قاين بن آدم، وبكى به على ولده، ويقال: إن صانعه بطليموس صاحب الموسيقى، وهو كتاب اللحون الثمانية، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك، وحسبنا الله، ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت