فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 505

ويقال: فلان كثير المراق مر المذاق. وقال الحجاج لخارجي: والله إني لأبغضك، قال: أدخل الله الجنة أشدنا بغضا لصاحبه. ولما أراد أنوشروان أن يقلّد ابنه هرمز ولاية العهد استشار عظماء مملكته، فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن أمه تركية وقد علمت في أخلاقهم ما علمت، فقال: إن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من حسن سيرته ما رأيتم، فقيل: هو قصير وذلك يذهب ببهاء الملك، فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا، فلا يستبين ذلك فيه. فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أواه هلك ابني هرمز، فقد قيل: إذا كان في الإنسان خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة إلى الناس فلا خير فيه، وإذا كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب البغض في الناس فلا عيب فيه:

ولست براء عيب ذي الود كلّه ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا

فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا

وفي المعنى قيل:

وعين البغض تبرز كلّ عيب ... وعين الحب لا تجد العيوبا

وعن أبي حيان قال: قال لقمان: نقلت الصخور وحملت الحديد، فلم أر شيئا أثقل من الدّين، وأكلت الطيبات وعانقت الحسان، فلم أر شيئا ألذ من العافية. وأنا أقول لو نزحوا البحار وكنسوا القفار لوجدوها أهون من شماتة الأعداء خصوصا إذا كانوا مساهمين في نسب أو مجاورين في بلد. اللهم إنّا نعوذ بك من تتابع الإثم وسوء الفهم وشماتة ابن العم.

وقيل لأيوب عليه السلام: أي شيء كان عليك في بلائك أشد؟ قال: شماتة الأعداء.

وأنشد الجاحظ:

تقول العاذلات تسلّ عنها ... وداو عليل قلبك بالسلو

وكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذّ من الشماتة بالعدو

وقال ابن أبي جهينة المهلبي:

كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء

وقال الجاحظ: ما رأيت سنانا أنفذ من شماتة الأعداء.

وقيل: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بموته نساء من كندة وحضرموت، فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم:

أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أنّ البغايا من بني مرّام

أظهرن في موت النبي شماتة ... وخضبن أيديهن بالغلّام

فاقطع هديت أكفهنّ بصارم ... كالبرق أومض في متون غمام

فكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى المهاجر عامله، فأخذهن وقطع أيديهن.

ويقال: فلان يتربص بك الدوائر ويتمنى لك الغوائل، ولا يؤمل صلاحا إلا في فسادك ولا رفعة إلا في سقوط حالك. وقال حكيم: لا تأمن عدوك وإن كان ضعيفا، فإن القناة قد تقتل، وإن عدمت السنان. قال الشاعر:

فلا تأمن عدوّك لو تراه ... أقلّ إذا نظرت من القراد

فإن الحرب ينشأ من جبان ... وإن النار تضرم من رماد

بيت مفرد:

فمن لم يكن منكم مسيئا فإنه ... يشدّ على كف المسيء فيجلب

وقال عبد الله بن سليمان بن وهب:

كفاية الله خير من توقّينا ... وعادة الله في الماضين تكفينا

كاد الأعادي فلا والله ما تركوا ... قولا وفعلا وتلقينا وتهجينا

ولم نزد نحن في سر وفي علن ... على مقالتنا يا ربّنا اكفينا

فكان ذاك وردّ الله حاسدنا ... بغيظه لم ينل تقديره فينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت