فهرس الكتاب
وكونه"إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة" ( [283] ) يمكن أن يقال مثله عن أي إنسان ، فكل إنسان معصوم إذن . وإنما يخطئ عندما يصرف عنه وجه العصمة ! وليس الأمر كذلك ! وإذا لم يكن ذلك ذنبا من آدم ـ كما قيل ـ فلم حاسبه الله تعالى وعاقبه ثم تاب عليه وهداه ؟ ولم عد ذلك الذي فعله ظلمًا وخسرانًا وغيًا ؟
يقول ابن تيمية:"من زعم أن الله ذم أحدا من البشر أو عاقبه على ما فعله ، ولم يكن ذلك ذنبا ، فقد قدح فيما أخبر الله به وما وجب له من حكمته وعدله". ( [284] )
ويقول فخر الدين الرازى ـ وهو يدافع عن مبدأ عصمة الأنبياء ـ إن ما نسب لآدم رضي الله عنه كان قبل النبوة . وأورد رأي أولئك الذين لم يجوزوا صدور المعصية عن الأنبياء قبل النبوة ولكنه لم يستطع أن يسلم بهذا الرأي ، وانتهى إلى قوله بلزوم أن يكون اطلاق لفظ العصيان على آدم إنما كان لكونه تاركا للواجب ( صفر شعبان جمادى أول ) .
إن تلك الآيات الكريمة واضحة الدلالة في عدم العصمة ، ويزيد ذلك وضوحا لا لبس فيه قول الله تعالى:
"وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" ( [286] )
فقتل موسى للرجل ، واعتبار ذلك من عمل الشيطان ، واعترافه بظلم نفسه، وطلبه المغفرة من الله تعالى ، واستجابة الله له ، كل هذا لا تتحقق معه عصمة.
وفي أكثر من موضع في القرآن الكريم لم يقر الرسول صلى الله عليه وسلم على أخطاء وقع فيها .
ففي سورة الأنفال: ( [287] )