قال النووي رحمه الله في الجمع بين هذه الأحاديث: فيها وجهان: أحدهما: أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا ولا يراد أنه خير الأشياء من جميع الوجوه وفي جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال.
الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا أو من خيرها أو من خيركم من فعل كذا فحذفت من وهي مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم، وعلى هذا الوجه الثاني يكون الإيمان أفضلها مطلقا والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال والأحوال. اهـ [1]
وقال ابن حجر رحمه الله في شرح حديث (دلني على عمل يعدل الجهاد) : ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ: (قيل: ما يعدل الجهاد؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثة كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة:(مثل الجهاد في سبيل الله) الحديث، وأخرج الطبراني نحو هذا الحديث من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه وقال في آخره (لم يبلغ العشر من عمله) ، قوله: (قال ومن يستطيع ذلك) في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان قال: (لا أستطيع ذلك) ، وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال، وأما ما تقدم في كتاب العيدين من حديث بن عباس مرفوعا (ما العمل في أيام أفضل منه في هذه يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد) ، فيحتمل أن يكون عموم حديث الباب خص بما دل عليه حديث بن عباس.
ويحتمل أن يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصا بمن خرج قاصدا المخاطرة بنفسه وماله فأصيب كما في بقية حديث بن عباس (خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) ، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة، لكن يشكل عليه ما وقع في آخر حديث الباب (وتوكل الله للمجاهد) الخ، ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولا خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجر في الجملة، وأشد مما تقدم في الإشكال ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد
(1) شرح مسلم للنووي ج13/ 24، وراجع فتح الباري ج6/ 8، وتحفة الذاكرين للشوكاني/ 8.