الصفحة 17 من 34

وعن أبي هريرة أيضا - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد ـ وفي لفظ هاجر ـ في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فقالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) [1] .

قال ابن حجر: قوله - صلى الله عليه وسلم - (أو جلس في أرضه) فيه تأنيس لمن حرم الجهاد وأنه ليس محروما من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة وإن قصر عن درجة المجاهدين ... إلى أن قال: وفيه تعقيب على قول بعض شراح المصابيح: سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الجهاد في سبيل الله وبين عدمه وهو الجلوس في الأرض التي ولد المرء فيها ووجه التعقيب أن التسوية ليست على عمومها وإنما هي في أصل دخول الجنة لا في تفاوت الدرجات والله أعلم. اهـ [2]

وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس خطيبا قال: (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) [3] .

(1) رواه البخاري وأحمد والبيهقي.

(2) فتح الباري ج6/ 12.

(3) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان والبيهقي عن ابن أبي أوفى وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وقوله (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا) قال بن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال الله العافية (فإذا لقيتموهم فاصبروا) قال بن بطال: حكمة النهى أن أبتلى فأصبر وقال غيره: إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم، وقيل: يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر وإلا فالقتال فضيلة وطاعة، ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله (وسلوا الله العافية) وأخرج سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلا (لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم) وقال ابن دقيق العيد: لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي، فيكره التمني لذلك ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه، ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة. (راجع فتح الباري ج6/ 15)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت