قال عياض: في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير، قال الخطابي: وفيه إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها، والعرب تسمي المال خيرا، وقال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب، لأنه لم يأت عنه - صلى الله عليه وسلم - في شيء غيرها مثل هذا القول وفي النسائي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخيل. اهـ [1]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) [2]
وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - مرفوعا (جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم) [3] .
تحرم النار على من جرح أو اغبرت قدماه في الجهاد ويكون دمه وغباره مسكا يوم القيامة.
فعن عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس ـ وهو عبد الرحمن بن جبر ـ وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) وعنه أيضا مرفوعا (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار) ، وفي رواية أخرى عن مالك بن عبد الخثعمي - رضي الله عنه - مرفوعا (من اغبرت قدماه في سبيل الله ساعة من نهار فهما حرام على النار) [4]
(1) فتح الباري ج6/ 55ـ 56.
(2) رواه البخاري وابن ماجة والطبراني والبيهقي.
(3) رواه أحمد والحاكم والطبراني بسند حسن وأورده المنذري في الترغيب والترهيب.
(4) حديث عبد الرحمن بن جبر رواه البخاري وابن حبان، والحديث الثاني رواه ابن حبان والترمذي والنسائي وأحمد والبزار والطبراني بألفاظ مختلفة وسنده صحيح وتمامه عن المصبح المقرائي قال: بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي إذ مر مالك بجابر بن عبد الله رضي الله عنهما وهو يمشي يقود بغلا له فقال له مالك أي أبا عبد الله اركب فقد حملك الله فقال: جابر أصلح دابتي وأستغني عن قومي وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فأعجب مالكا قوله فسار حتى إذا كان حيث يسمعه الصوت ناداه بأعلى صوته يا أبا عبد الله اركب فقد حملك الله فعرف جابر الذي أراد برفع صوته وقال اصلح دابتي واستغني عن قومي وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فوثب الناس عن دوابهم فما رأينا يوما أكثر ماشيا منه.