الصفحة 32 من 34

وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا، لأنهم أحوج ومقامه به أنفع، قال أحمد: أفضل الرباط أشدهم كَلَبا، وقيل لأحمد: فأين أحب إليك أن ينزل الرجل بأهله؟ قال: كل مدينة معقل للمسلمين مثل دمشق. اهـ [1]

وقال ابن حجر رحمه الله في شرح البخاري: قوله: باب فضل رباط يوم في سبيل الله، وقول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) [2] الآية، الرِّباط ـ بكسر الراء وبالموحدة الخفيفة ـ ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم، قال ابن التين: بشرط أن لا يكون الوطن قاله بن حبيب عن مالك، قلت: وفيه نظر في إطلاقه فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدو، ومن ثَمَّ أختار كثير من السلف سكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص وجهي.

واستدلال المصنف بالآية اختيار لأشهر التفاسير، فعن الحسن البصري وقتادة: اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداء الله في الجهاد ورابطوا في سبيل الله، وعن محمد بن كعب القرظي: اصبروا على الطاعة وصابروا لانتظار الوعد ورابطوا العدو واتقوا الله فيما بينكم، وعن زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل.

قال ابن قتيبة: أصل الرباط أن يربط هؤلاء خيلهم وهؤلاء خيلهم استعدادا للقتال، قال الله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) [3] ، وأخرج ذلك بن أبي حاتم وابن جرير وغيرهما، وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الأول، وفي الموطأ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا (وانتظار الصلاة فذلكم الرباط) وهو في السنن عن أبي سعيد [4] ، وفي المستدرك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن الآية نزلت في ذلك، واحتج بأنه لم يكن في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزو فيه رباط. انتهى، وحمل الآية

(1) المغني لابن قدامة، ج8/ 353: 355.

(2) سورة آل عمران، الآية: 200.

(3) سورة الأنفال، الآية: 60.

(4) رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات) قالوا: بلى يا رسول الله قال: (إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) ورواه الترمذي والنسائي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي ومالك عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت