الصفحة 34 من 34

وقال ابن عابدين رحمه الله: قوله (وأمن الفتان) ضبط أمن بفتح الهمزة وكسر الميم بلا واو أي فتان القبر وفي رواية أبي داود في سننه (وأمن من فتان القبر) وبضمها جمع فاتن، قال القرطبي: وتكون للجنس أي كل ذي فتنة، قلت: أو المراد فتان القبر من إطلاق صفة الجمع على اثنين أو على أنهم أكثر من اثنين، فقد ورد أن فتان القبر ثلاثة أو أربعة، وقد استدل بهذا الحديث على أن المرابط لا يسأل في قبره كالشهيد. اهـ [1]

قال القرطبي رحمه الله بعد ذكره لحديثي سلمان وفضالة رضي الله عنهما: وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي أنه قال (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم، فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاذ الصدقات وذهاب العلم وموت الولد، والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة، لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة، وهذا لأن أعمال البر كلها لا يُتَمَكَّنُ منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام. اهـ [2]

وعن محمد بن المنكدر قال: مر سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بشرحبيل بن السمط وهو في مرابط له وقد شق عليه وعلى أصحابه، قال: ألا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: بلى، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (رباط يوم في سبيل الله أفضل ـ وربما قال خير ـ من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقِيَ فتنة القبر ونُمِّي له عمله إلى يوم القيامة) [3] ، ولهذا قال أبو هريرة - رضي الله عنه: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. [4]

وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر) [5]

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من مات مرابطًا في سبيل الله أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه و أمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع) [6]

(1) حاشية ابن عابدين ج4/ 122.

(2) تفسير القرطبي ج4/ 325.

(3) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن، ورواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صام يوما في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفا ومن توفى مرابطا وقي فتنة القبر وجرى عليه رزقه) ثم لم يرو هذا الحديث عن أبي سعيد المقبري إلا زهرة بن معبد تفرد به رشدين، ورواه عبد الله بن أحمد في السنة عن أبي سعيد - رضي الله عنه - بسند فيه ابن لهيعة، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف وقد تقوى بالمتابعات (راجع مجمع الزوائد ج5/ 290) .

(4) رواه ابن حبان والبيهقي وأورده أيو الحسن الهيثمي في موارد الظمآن عن مجاهد عن أبي هريرة: أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل، ثم قيل لا بأس، فانصرف الناس وأبو هريرة واقف، فمر به إنسان فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله يقول (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) قال ابن حبان: سمع مجاهد من أبي هريرة أحاديث معلومة بين سماعه فيها عمر بن ذر، وقد وهم من زعم أنه لم يسمع من أبي هريرة شيئا، لأن أبا هريرة مات سنة ثمان وخمسين في إمارة معاوية، وكان مولد مجاهد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب ومات مجاهد سنة ثلاث السهو فدل هذا على أن مجاهدا سمع أبا هريرة.

(5) رواه أحمد واللفظ له وأبو داود وابن حبان والترمذي وقال: حسن صحيح.

(6) رواه ابن ماجة والبزار، وقال الهيثمي: حديث أبي هريرة فيه عبد الله بن صالح وثقه عبد الملك ابن شعيب فقال: ثقة مأمون، وضعفه غيره وبقية رجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت