وبالتالي فان الشرع الاسلامي يقدم اطارا متكاملا للرقي التشريعي في الدولة من حيث تخويل الصلاحيات اللازمة للإمام، مع منع كل ما يمكن ان يؤدي الى اختلال واستغلال تلك الصلاحيات للسيطرة والاستبداد السياسي في الدولة.
ومن الضمانات التي أقرها الشارع، للتأكد من انضباط التشريع في المجتمع الاسلامي ضمانة سابقة لتبني التشريعات وضمانة لاحقة له. أما الضمانة السابقة فتتمثل في حرص الشريعة الاسلامية على اقرار مبدأ الشورى الاسلامي مصداقا لقوله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [1] حيث جعل الاسلام الشورى وسيلة لتوجه أعمال الحاكم وخير ضمانة لعدم احداث تشريعات مخالفة للشرع. وقد أقر الصحابة رضوان الله عليهم مبدأ الشورى في مثل هذه المسائل فقام عمر رضي الله عنه بمشاورة الصحابة فيما يتعلق بوقف الاراضي الخراجية [2] والتزام الحاكم المسلم بالشورى في هذه الامور يضمن له رضا المسلمين عما يصدره من قرارات ويتمكن بالتالي من الحصول على الدعم الكافي لحسن تطبيق الانظمة في المجتمع الاسلامي، ويحول دون ذلك فجوة أو جفوة بين الحاكم والمحكوم مما يعمق المشاركة السياسية لأفراد الأمة في النظام السياسي الاسلامي.
أما الضمانة اللاحقة فتتعلق بحق الامة في محاسبة الامام انطلاقا من واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مصداقا لقوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [3] ، فعلى الامة المسلمة تقع مسئولية التأكد من حسن تطبيق الاسلام ومراقبة انحراف الحاكم عن الشرع الاسلامي فقد أوجب عليها الشرع انكار المنكر لقوله عليه الصلاة والسلام «من رأى منكم منكرا فليغيره [4] » ويندرج الانحراف في التبني وسن القوانين ضمن المنكرات الكبرى التي تقع على الامة مسئولية التأكد من تصحيحها ومعالجتها وفقا للشرع الاسلامي.
سادسا: هيمنة القضاء الشرعي على حق الامام في التبني:
(1) ... سورة آل عمران آية 159.
(2) ... الخراج, مرجع سابق, ص 35.
(3) ... سورة آل عمران آية 110.
(4) ... رواه مسلم, راجع جامع الاصول, الجزء الأول, مرجع سابق, ص 228.