الوحي، أشار على الرسول عليه الصلاة والسلام بغير ذلك المنزل وعمل عليه الصلاة والسلام بمشورته [1] .
ولهذا فانه عند سن القوانين والقواعد والاحكام في الدولة ينظر في مواد تلك القوانين أو القواعد فان كانت مما يدخل تحت المجال التشريعي فيجب على الدولة استنباطها من مصادر الشريعة وبيان الادلة الشرعية عليها.
وأما ان كان مما يدخل تحت القوانين الاجرائية ويعد أسلوبا أو وسيلة لتنفيذ الحكم الشرعي، مثل اللوائح المرورية، أو قوانين تنظيم الشئون الصحية، أو شئون الادارة الحكومية ونحو ذلك، فانه يمكن أخذها بحسب الاصلاح والانسب من أي مصدر شريطة أن لا يؤدي ذلك الى مناقضة الشريعة لكون الشريعة حاكمة على ما عداها ومخالفتها لا تجوز مطلقا للأدلة المبينة فيما سبق. وكذلك لو نصت الشريعة على أسلوب معين لأداء الحكم الشرعي فيجب حينئذ التقيد به وعدم المخالفة فمثلا: نصت الشريعة على قتل الزاني المحصن بالرجم بالحجارة ولذا لا يجوز قتله بالرصاص أو السيف، ونصت على كيفية معينة لأداء الصلوات فلا يجوز القيام بالصلاة بخلاف تلك الكيفية، وهكذا.
وخلاصة القول أن الاحكام والقوانين في الدولة الاسلامية على ضربين تشريعية أو اجرائية، فما كان منها تشريعيا فيجب أن يكون مستنبطا من مصادر الشريعة الاسلامية ولا يجوز مطلقا أخذه من غيره وما كان منها اجرائيا فيشترط عدم مخالفته للشريعة أو حكم من أحكامها عند عدم وجود نص على الحكم الاجرائي.
سبق ذكر ما يتعلق بالاجتهاد الفردي واظهار الاحكام كحق لكل فرد من الامة، كما عرضنا أن الاجتهاد يصبح ملزما أن قام الامام بسنه قانونا أي أمرا ملزما في الدولة، حيث أنه لما كان الامام مكلفا بتسيير أعماله وممارسات الحكومة وسياسة الدولة وفق أحكام الشرع، فانه من الضروري لذلك أن يقوم الامام كراع للامة بإعلان تلك الاحكام التي تلزم الدولة في رعايتها لشئون الامة. ووضع هذه الاحكام موضع التنفيذ في حياة الامة وفي سياسة الحكومة. فضلا عن ذلك، فانه يجب على الامام الزام الرعية بما أوجب الشرع وأن يمنع كل ما حرم الشرع، وهذا لا يتأتى الا بأن تسن الاحكام ذات العلاقة
(1) ... ابن هشام, السيرة النبوية, الجزء الاول والثاني, مرجع سابق, ص 620.