آخر، مع ترك الاسلام المجال مفتوحا لاستنباط الاحكام الشرعية الملائمة لما يستجد من وقائع في حياة الانسان نتيجة لتغير الظروف الاجتماعية أو السياسية أو غير ذلك، عن طريق الاجتهاد في تلك القواعد والاصول والنصوص الشرعية والتي تتسع لاستنباط أحكام كثيرة وتنطبق على مسائل متعددة.
ولقد اتسمت شريعة الاسلام، لذلك، بمزايا لم تتحقق لأي تشريع آخر حيث تحقق خلودها بحفظ مصادرها من قرآن وسنة خلال العصور المتوالية منذ بعت الرسول عليه الصلاة والسلام دون تغيير أو تبديل، وحصرت المصادر في الادلة الشرعية التي جاء بها الوحي فقط وبذلك لا تقبل مصادر ونصوص الشريعة زيادة أو نقصانا من أقوال الرجال أو اجتهادات الفقهاء. كما أن النصوص والقواعد الشرعية اشتملت على علل شرعية تجعلها غزيرة في معانيها مما يسمح باستنباط أحكام لكل واقعة تتحقق فيها هذه العلل مهما تجددت هذه الوقائع أو اختلفت الاحوال والظروف، كما سنبين لاحقا. هذا بالإضافة الى سمو مقاصد التشريع واقامة البراهين العقلية للناظرين وأولي الالباب على صحة أصولها وبطلان كل ما يخالفها.
ينظم الاجتهاد الممارسة الفردية في الدولة من حيث البحث عن الأدلة الشرعية والاستنباط منها لأحكام تعالج السلوك الانساني، ويستوي في ذلك الحكام وأفراد الرعية. ونظرا لان الدولة. بوصفها هيئة معنوية منفذة للشرع، ويتطلب عملها الالزام للرعية، فان ذلك يقتضي جعل الاجتهادات المطلوبة للحكم ورعاية الشئون ملزمة للرعية لتمكين الدولة من ممارسة صلاحياتها. وهذا الالزام لاجتهادات معينة هو ما يطلق عليه في الاصطلاح"من القانون"أو"التقنين"وقد رأينا في هذا البحث استخدام لفظ"القانون"مع أنها لفظة أجنبية معربة لكونها في الاصطلاح المعاصر يقصد بها"مجموعة الاوامر والنواهي الواجب الالتزام بها في البلاد [1] "وبهذا المعنى لا يعد استخدام اللفظ محظور شرعا، حيث مقصودنا الاوامر والنواهي الملزمة من الدولة وليس المقصود المفهوم الشائع لدى الناس الذي يربط القانون بالوضع واعتبار القانون الاحكام الوضعية المضادة للشرع. حيث أن التضاد للشرع قد تحمل في أوامر الدولة ونواهيها اذا كان مصدرها مخالف
(1) ... بكر بن عبد الله أبو زيد, فقه النوازل, المجلد الاول, الرياض, مكتبة الرشيد, 1407, ص 185.