الصفحة 11 من 23

أما بعد، فهذا إمامُ أئمة الحديث النبوي الشريف، المُعوَّل عليه في هذا الشأن، وتراثه العلمي النقدي أصلٌ من أصول صناعة هذا العلم. لم يؤت حظَّه من الدرس والتحرير، وما زال قسم منه مفقودا متواريا عن الأنظار إلى اليوم.

إن الناس شُغِلوا بالجامع الصحيح عن باقي تراث البخاري، وعُنُوا به عناية لم يحظ بها أيُّ كتاب آخر في تاريخ الإسلام بعد كتاب الله تعالى. ولدينا اليوم قسطٌ وافرٌ من تراث الحديث - بين مطبوع ومخطوط ومفقود - حول هذا الكتاب، حيث أُفْرِدت كتب، وصُنفت مصنفاتٌ في رجاله، وفقه متونه، وتحرير تراجمه، وإعراب مفرداته وغير ذلك، دون شروحه الجامعة المطولة والمختصرة التي تعكس عناية الأمة به عبر العصور.

إن هذا الانشغال بالجامع الصحيح، كاد ينسي كتب البخاري الأخرى التي تعد أصولا نظرية لهذا الكتاب، ودونها لم يكن الجامع الصحيح ليخرج للناس بِهذا المستوى من الصحة، وبِهذا العمق من الصناعة الحديثية والفقهية.

إن خدمة العلماء والشُّرَّاح للجامع الصحيح ركزت في النفوس قيمةَ البخاري"المحدث الفقيه"، في حين ظلت معالم البخاري"المحدث الناقد"مجالا مفتوحا للبحث والنظر.

ومن هنا توجهت العناية للاشتغال بالتراث العلمي النقدي للبخاري، وبالخصوص منه:"التاريخ الكبير"الذي يُعدُّ أصل الأصول، فهو كتاب في علم تاريخ المحدثين، وعلم التراجم المُعلَّلة، وعلم الجرح والتعديل، وعلم الطبقات وغيرها من فنون الحديث المتداخلة. وبالإضافة إلى غزارة مادته وتزاحمها، واقتضاب عرضها وسوقها في إشارات غامضة ومُلغِزة، فقد مشى فيه البخاري على اصطلاحات خاصة به،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت