ووضعه على ترتيب لم يُسبَق إليه.
غير أن الباحث في التاريخ الكبير يجد نفسه مضطرا للاطلاع على باقي تراث البخاري العلمي، بل وعلى تراث تلامذته، خصوصا في مجال الجرح والتعديل والكلام على الرواة والأسانيد.
وكنت خصصت دراسة سابقة في الموضوع، لقيت من الترحيب والتشجيع - خصوصا من طرف أستاذي الشاهد البوشيخي - ما قوَّى عزمي على إعادة النظر من جديد في مصطلحات الجرح والتعديل عند الإمام البخاري، وفق منهج الدراسة المصطلحية.
ومع تقدم البحث انفتحت أمام الدراسة أبواب، وتم الكشف لأول مرة عن معلومات جديدة، جعلت الدراسة تطمح لأن تكون لبنة في بناء المعجم التاريخي لمصطلحات علم الجرح والتعديل.
إن الاشتغالَ بتراث الأمة سعيًا وراء التعرُّف على الذَّات واستعادة الهُوية، في محاولة لقراءته على الوجه الصحيح، يحتاج إلى تُؤَدَة وتأَنٍّ، ويجب أن يُعطى حقَّه من التأمُّل والتدبُّر، ولن يتمَّ ذلك حتى يسْلَم الفهم، ولا فهمَ دون تَشَرُّبٍ لمصطلحات المؤلفين ومقاصدهم، ودون تَمثُّلٍ لمناهجهم في مصنفاتهم وسَبْرٍ لشروطهم فيها.
ذلك أن القوم في عصور الإبداع، كانوا يحسنون اختيار ألفاظهم، للدلالة على معانيهم ومقاصدهم. ولا يعمدون إلى اختيار ألفاظ ليضعوها في غير موضعها، كما كان الحس بضرورة تدقيق المصطلح، وإدراك خطورته حاضرا عندهم منذ وقت مبكر. يقول الجاحظ (-255 هـ) :"فللعرب أمثالٌ واشتقاقاتٌ وأبنيةٌ، وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أُخَر، ولها حينئذ دِلالات"