الصفحة 14 من 23

وقد تكفَّل الله بحِفْظ الوَحْيَين، فقال:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]

فحَفِظَ اللهُ القرآنَ الكريمَ بأعلى إسنادٍ عرَفتْه الدنيا: خاتمِ النبيين - صلى الله عليه وسلم -، عن جبريل الأمين، عن ربِّ العالمين.

كما حفظ - سبحانه وتعالى - السنةَ النبويةَ الوحيَ المُبَيِّن للقرآن، فقيَّد لها رجالًا حُفّاظًا، من أوعية العلم، والأمانة في النَّقل، ممن اختارهم الله لصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعدَّلهم بنصِّ التَّنزيل، ومِمَّن تبِعهم من ذوي العقول الرَّاجحة من أهل الفَضْل والفَضيلة والرُّتب الرفيعة.

وهذا الإمام البخاري - ومعه تلميذُه وخِرِّيجه الإمامُ مسلم - لقي كتاباهما من قَبول نُقَّاد الأمة ما بلغ أن عُدَّت معه أحاديثُ صحيحيهما المسندة من أعلى مراتب الصحيح، إذ لم يبق مجالٌ للبحث فيها من حيث الصحة، وإنما ظل مجال البحث واسعا من جهة سَبْر مقاييس الشيخين في الأسانيد والرجال، من أجل الاستفادة من صنيعهما في انتقاء ما أخرجاه من الحديث، للاهتداء به في التعامل مع مالم يخرجاه، ذلك أنهما لم يستوعبا الصحيحَ كلَّه كما صرَّح كلٌّ منهما بذلك.

وإن هذه المقاييس لايتأَتَّى استِكناهُها، ما لم يتِمَّ تحريرُ عبارات الجرح والتعديل الصادرة عن النقاد الذين تكلموا في الرواة، واستقراء هذه العبارات استقراءا تاما، لمعرفة عُرْفِ كل ناقدٍ منهم، وتحديد مُرادِه من اصطلاحاته. ولعل الإمام البخاري أولى هؤلاء النقاد بالعناية والتقديم لمكانة تَصْحيحه، وسلامة نقده من جهة، ولتميُّز ألفاظه النقدية، وانفراده بعُرْفه الخاص في كثير منها من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت