28)وفي قصة عبد الله ابن الزبير في تصارعه مع الأشتر التي رواها الطبري (دليل 33) ، شاهد على رسوخ مسألة فداء الدين بالنفس إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، علمًا أن الأشتر كان باغيًا ولم يكن كافرًا، ولكنه هو الذي ألب الناس على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلما ظفر عبد الله بن الزبير به يوم الجمل رأى أن قتله سيخمد الفتنة، لذا أراد أن يفدي بنفسه من أجل إخماد الفتنة، فلما حاول الأشتر التفلت من بين يدي ابن الزبير قال ابن الزبير قولته المشهورة (اقتلوني ومالكًا) - أي الأشتر -، لأن من أراد أن يقتل الأشتر من أصحاب عبد الله أثناء الصراع لا يمكن أن يفرد الأشتر بضربة تقتله، فعلم عبد الله أن هذا مانع لأصحابه من عدم قتل الأشتر وحده، فأمرهم بذلك، وأراد أن يفدي بنفسه من أجل قتل باغ هو رأس في الفتنة كل ذلك لمصلحة الدين، وما أظن من كان هذا فقهه لنصر الدين أن يتردد لحظة بتفجير نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للدين كهذه، ولم ينقل لنا أن أحدًا اعترض على ابن الزبير طلبه أن يقتل مع الأشتر درءً للفتنة وتخليصًا للمسلمين من رجل واحد، ونعلم أن عدم النقل لا يعني نفي الاعتراض، ولكن هذا مما يستأنس به.
29)وفي قصة إلقاء البراء بن مالك من فوق حصن اليمامة (دليل 26) دليل على عدم اعتراض الصحابة على هذا النوع من العمليات، فإن البراء حمل في الترس وألقي من فوق الحصن على العدو، ومعلوم أن الإلقاء وحده من فوق الحصن ربما يسبب الهلاك فكيف إذا كان في الحصن جملة من الجند وقد تأهبوا وتسلحوا، وفعل البراء هذا لا يساور من سمع به الشك أن فاعله سيهلك إما من إلقائه أو من الجند الذين تأهبوا له، ورغم ذلك لم يعترض لا أمير الجيش ولا أحد من الصحابة، على ذلك رغم غلبة الظن بهلاكه.