فنقول إن الله سبحانه وتعالى حينما حرم قتل النفس كان ذلك التحريم لأن قتل النفس هو نتيجة للجزع وعدم الصبر على البلاء وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وكل هذا ناتج عن انتفاء الإيمان أو نقصه، ومنفذ العملية الاستشهادية عندما قتل نفسه هل قتلها من أجل هذه الدوافع؟ بالطبع لا، بل إن ذلك منتف عنه، ولم يقدم على ما أقدم عليه إلا لقوة إيمانه بالغيب وليقينه بما عند الله ولحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، ومما يدل على أن مناط تحريم قتل النفس ليس لذاته بل لما يسبقه من عدم إيمان بالقدر أو لنقصه، فعل الغلام (الدليل 4) فهو قاتل لنفسه وقد أثنى الشارع عليه لأنه لم يقدم على ذلك إلا رغبة بما عند الله ونصرًا لدينه، وهذا لا يصدر ممن لم يؤمن بالله، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت لضر نزل بالعبد وقد تمنى هو الموت في سبيل الله ثلاثًا، فجاز ذلك لأنه ما تمناه إلا مع كمال الإيمان، وكذلك ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة أن الرجل في آخر الزمان يمر على القبر فيقول يا ليتني مكانك، فهذا تمني للموت ممدوح قائله، لأنه ما قاله إلا بسبب فساد الزمان وسوء الأحوال، ولم يتألم لذلك إلا لأن قلبه مليء بالإيمان فتمنى الموت، فجاز له ذلك ولا تدخل هذه الصورة في النهي عن تمني الموت، وهذا ما اشتهر عن الصحابة، والأدلة المبينة لمناط التحريم كثيرة ولا نطيل بذكرها.
إذًا تبين مما سبق من أدلة أن مناط تحريم قتل النفس أو تمني الموت لا لذات الفعل فحسب بل لما يصاحبه من عدم إيمان بالقدر إما نقص كمال أو انتفاء بالكلية، ومتى انتفى المناط وهو عدم الإيمان بالقدر المصاحب لقتل النفس أو تمني الموت جاز ذلك الفعل للمصلحة والحاجة، فما كل قتل للنفس محرم، لأن التحريم معلق بعمل القلب فمن تسبب نقص إيمانه أو انتفائه بهذا الفعل كان الفعل له محرمًا، ومن تسبب زيادة إيمانه ويقينه بالله بهذا الفعل كان الفعل له ممدوحًا ويؤجر عليه.