أحدهما: من أخذها بغير حقها، وأخذ أموال الناس بالباطل من الغصوب ونحوها، والرشاء ونحوها وتناول من له مستحق يبذل له، ويأخذه بحسب قيام الوصف به وليس به؛ فدخل في ذلك مصارف الصدقات والأوقاف، والزكوات والكفارات والنفقات ونحو ذلك، والصنف الثاني: مَن منع الحق الذي عليه مِن ديون الله وديون الآدميين، وكلاهما أكل للمال بالباطل.
29.قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] قال: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} ولم يقل: (يوم تحمى في نار جهنم) ؛ ليدل ذلك على أنها مع حرارة نار جهنم تستعمل لها الآلات المحمية - كالمنافيخ ونحوها - فيضاعف حرها، ويشتد عذابها.
وذكر المفسرون - رحمهم الله تعالى - مناسبة لتخصيص كي جباههم وجنوبهم وظهورهم، وذلك لأنه إذا جاءهم الفقير السائل صعّر أحدُهم بوجهه، فإذا أعاد عليه ولاّه جنبَه، فإذا ألح عليه ولاّه ظهره فاختصت هذه الثلاث لذلك جزاء وفاقًا، وظهر لي معنى أولى من هذا: وهو أن كيّ هذه المواضع الثلاثة هي أشد على الإنسان من غيرها، وهي متضمنة لجهاته الأربع: الأمام والخلف واليمين والشمال؛ وهذه الوجوه التي يخرج منها الإنسان، فلما منعوا الواجب عليهم منعًا تامًا من جميع جهاتهم؛ جوزوا بنقيض مقصودهم؛ فإن مقصودهم من المنع التمتع بتلك الأموال، وحصول النعيم بها، وخوف وحرارة فقدها لو بذلوها؛ فصار المنع هو عين العذاب، فلو أنهم أخرجوها وقت الإمكان لسلموا من كيها، وفازوا بأجرها، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] ويدل عليه أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا» مِن بين يديه ومِن خلفه، وعن يمينه وعن شماله [1] .
(1) البخاري ح (6079) ، مسلم ح (2351) .