فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 116

ومن لطف الله بعبده: أن يُجرِي بشيءٍ مِن مالِه شيئًا من المنافع وخيرًا لغيره؛ فيثيبه من حيث لا يحتسب، فمن غرس غرساًَ، أو زرع زرعًا فأصابت منه روحٌ من الأرواحِ المحترمة شيئًا آجرَ اللهُ صاحبَه وهو لا يدري! خصوصًا إذا كانت عنده نيةٌ حسنة، وعَقَدَ مع ربه عقْدًا في أنه مهما تَرتّب على ماله شيءٌ من النفع، فأسألك يا رب أن تأجرني، وتجعله قربةً لي عندك، وكذلك لو كان له بهائم انْتُفع بدَرِّها ورُكُوبها والحَمْل عليها، أو مساكن انْتُفع بسكناها ولو شيئًا قليلًا، أو ماعونٍ ونحوه انْتُفع به، أو عينٍ شُربَ منها، وغير ذلك - ككتابٍ انْتُفع به في تعلم شيء منه، أو مصحفٍ قُرئ فيه - والله ذو الفضل العظيم.

ومن لطف الله بعبده: أن يفتح له بابًا من أبواب الخير لم يكن له على بال، وليس ذلك لقلة رغبته فيه، وإنما هو غفلة منه، وذهول عن ذلك الطريق، فلم يشعر إلا وقد وجد في قلبه الداعي إليه، واللافت إليه؛ ففرح بذلك، وعرف أنها من ألطاف سيِّدِه وطُرُقه التي قيّض وصولهَا إليه؛ فصرف لها ضميرَه، ووجّه إليها فِكره، وأدرك منها ما شاء الله وفتح.

86.قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] تأملتُ في فائدة تكرار التقوى في هذه الآية ثلاثَ مراتٍ؛ فوقع لي أحدُ وجهين:

أحدهما: أن الأول للماضي، والثاني للحال، والثالث في المستقبل، وبيان ذلك: أن قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} أن (جناح) نكرة في سياق النفي؛ فتعم الماضي والمستقبل والحال، لأنه نفى الجناحَ عن المؤمنين مطلقًا، وهذا النفي العام لا ينطبق إلا على الأحوال الثلاثة، ويكون هذا التكرار من محترزات القرآن، التي يحترز الباري فيها عن كل حالٍ تُقَدّر وتُمْكِن؛ لأنهم لو اتقوا في الماضي أو في الحال أو فيهما دون المستقبل لم يَصدُق عليهم نفي الجناح، ولا بد في كل حالة من الأحوال التي تُقام فيها التقوى مِن الإيمان والعمل الصالح، ومن الإيمان والإحسان؛ يُؤيِّدُ هذا الاحتمال قولُه: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 203] ، فإن قوله: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} نظيرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت