الخامسة: أن قتالهم مستَحَق بشرطين: كونهم مشركين، وكونهم مقاتلين، فمتى زال أحدُ الوصفين لم يقاتَلوا، فالمسلم لا يقاتَل لوصفه الذي اتصف به من الظلم والمعاصي، وإنما يقاتَل المفسد منهم - كالبغاة والخوارج ونحوهم - وكذلك من لم يقاتِل المسلمينَ مِن المشركين لا يقاتَلون؛ إما لكونه ليس أهلًا للقتال - كالنساء والأطفال والشيوخ والرهبان ونحوهم - وإما لكونه أخلد للمسلم، وأقرّ بالجزية، ففيه دليل أيضًا على أن الجزية تقبل من كل مشرك بذلها، ولو لم يكن من أهل الكتاب؛ لهذا العموم.
السادسة، والسابعة: فيه التنبيه على الإخلاص في الجهاد، وأنهم يقاتَلون لوجه الله، ولكونهم اتصفوا بما يبغضه الله - وهو الشرك - فليكن الحامل لكم أيها المؤمنون على قتالهم: موافقة ربكم في بغضه وعداوته لهم؛ لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا.
الثامنة: التهييج للمؤمنين على قتال المشركين، وذلك أنهم يقاتلون المؤمنين كافة؛ فكل من اتصف بالإيمان فطبعهم الخبيث معاداتُه وقتالُه لأجل إيمانه، أفلا تقاتلون - أيها المؤمنون - مَن كفروا بما جاءكم من الحق، وعاندوه وحاربوه؟! فلتكونوا في عداوتهم متفقين، وعلى حربهم جاهدين.
التاسعة: الاجتهاد على التحقق بتقوى الله؛ لتُنال بذلك معونة الله ومعيته.
العاشرة: أن معية الله نوعان: عامة، يدخل فيها البر والفاجر، كقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] وما أشبهها من الآيات الدالة على كمال العلم والمجازاة، وخاصة لمن قام بمحبوبات الله: من الإيمان والإحسان والصبر والتقوى، كقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، و {مَعَ الصَّابِرِينَ} ، و {مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} وهذه المعية تقتضي - مع العلم والجزاء الحسن - العون والنصرة والتأييد والقرب الخاص.
الحادية عشرة: بلغ فيها التنبيه على أسباب الانتصار على الأعداء، وهو الاتفاق على قتالهم، وعدم المنازعة، والإخلاص لله تعالى، وشدة العداوة التي مِن لازمها أن يُبْذل ما يستطاع ويُمكن في قتالهم، ويدخل في ذلك: إعدادُ السلاح والخيل، والقوةُ