وليس بمجاز تلكم الآياتُ التي جاء فيها توكيد لفظ النزول بالمصدر، كما في قوله عز وجل:"وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا" [الإسراء:106] ، وقوله سبحانه وتعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا" [الإنسان:23] . قال النحاس -رحمه الله-:"أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا". ولا شك أن رأي ابن تيمية أيضًا مبناه على رأي السلف في العقيدة، والذين يثبتون صفة العلو لله عز وجل؛ لذلك نجد ثلة من أهل العلم قد تابعوه على قوله. لكن السيوطي -رحمه الله- في الإتقان أورد عن الأصفهاني أنَّ أهل السنة والجماعة اتفقوا على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال. ثم أورد عنه أقوالًا مبناها على القول بتأويل معنى النزول؛ لكون المعنى اللغوي لكلمة النزول لا ينسجم مع ما يسمى بعقيدة الخلف التي تؤول صفة العلو لله عز وجل، وهذا هو رأي معظم الكاتبين في علوم القرآن، كالزرقاني وغيره من المتأخرين. ولقد وجدت لأحد المفسرين المتأخرين وهو الطاهر بن عاشور -رحمه الله- كلامًا نفيسًا حول معنى النزول يجعلنا نرى الصورة بشكل أشمل، ونعلم أنَّ الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي؛ حيث قال -رحمه الله-:"والإنزال جعل الشيء نازلًا، والنزول الانتقال من علو إلى سفل، وهو حقيقة في انتقال الذوات من علو، ويطلق الإنزال ومادة اشتقاقه بوجه المجاز اللغوي على معانٍ راجعة إلى تشبيه عملٍ بالنزول لاعتبار شرف ورفعة معنوية؛ كما في قوله تعالى:"قد أنزلنا عليكم لباسًا"، وقوله:"وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج"؛ لأنَّ خلقَ الله وعطاءَه يُجعل كوصول الشيء من جهة عليا لشرفه. وأما إطلاقه على بلوغ الوصف من الله سبحانه وتعالى إلى الأنبياء فهو إما مجاز عقلي بإسناد النزول إلى الوحي تبعًا لنزول الملك مُبَلِغه الذي يتصل بهذا"