و هكذا يجب أن يُعلن الموحّد براءته من الشرك وأهله بكلّ وضوح، وأساس الشرك في زماننا هي هذه القوانين الوضعية مصدر كلّ بلاء على أمّتنا، ولا تتمّ هذه البراءة إلاّ بعد البراءة من الحكام الّذين يشرّعون هذه القوانين ويُحكّمونها على أمّتنا بقوّة الحديد والنّار مُنحّين بذلك شريعة الرحمن.
فلا يستقيم توحيد المرء مع عدم براءته من هذا الشرك.
قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى في"سبيل النجاة والفكاك"في تفسيره لقوله تعالى:""قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ"الآية 4 من سورة الممتحنة: وهاهنا نكتة بديعة - في قوله تعالى:"إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ"- وهي أنّ الله تعالى قدّم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأنّ الأوّل أهمّ من الثاني، فإنّه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممّن عبدها لا يكون آتيًا بالواجب عليه، وأمّا إذا تبرأ من المشركين فإنّ هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وكذا قوله:"وأعتزلكم وما تدعون من دون الله" [مريم: 48] الآية، فقدّم اعتزالهم على اعتزال ما يدعون من دون الله. وكذا قوله:"فلمّا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله" [مريم: 49] ، وقوله:"وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله" [الكهف: 16] ، فعليك بهذه النكتة فإنّها تفتح لك بابًا إلى عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنّه لا يعادي أهله فلا يكون مسلمًا بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين. انتهى"
و هذا الّذي أعلنه إبراهيم لقومه هو عين ما أمر الله به نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن يُعلنه لقومه، قال تعالى من نفس السورة، سورة الأنعام الآية: 56 - 57:"قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) ".
فعلى الموحّد أن يتأمّل إلى أمر الله تعالى لنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، حيث قال له أمرا:"قُلْ"، وهذا فيه أمر بإعلان براءته من الشرك وأهله.
فأين هم أتباع السنّة من ذلك، فالسنّة ليست مجرد حفظ متون الأحاديث، أو تحقيق الأحاديث تصحيحا وتضعيفا، أو التخصص في علم الحديث، بل السنّة هو التجسيد العملي للتوحيد؟.