الله الحسن البصري، قال هذا في عصره محذرًا القضاة والحكام، وهم الذين يحكمون بما أنزل الله بخلاف حكّام الردة اليوم، ومع هذا حذّرهم رحمه الله من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب حتى استحقّوا هذا الجزاء من الله تعالى، فكيف لو كان رحمه الله في أيامنا هذه التي بُدِّلَ فيها شرعُ الله تعالى بشرعِ البشر؟! ثم قال ابن كثير: «وقال عبد الرزاق عن سُفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضيَ الله لهذه الأمة بها» ، ثم قال: «وقال ابن جَرير ... عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود - رضي الله عنه - عن الرشوة فقال: من السحت، فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر، ثم تلا قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأُولئك هُمُ الكافرونَ} » . قال ابن كثير: «قال السدي: يقول تعالى ومن لم يحكم بما أنزَلْتُ فتَرَكَه عمدًا أو جارٍ وهو يعلم، فهو من الكافرين، ثم نقل عن ابن جرير عن الشعبي أنه قال {فأولئك هم الكافرون} قال هذا في المسلمين» . [1] ثم قال: «وقال أبو حاتم ... حدثنا أبو عبيدة الناجي قال: سمعت الحَكم يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية [أي فحكمه حكم الجاهلية، وحكم الجاهلية هو الكفر] » . [2]
وقال الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآية {فأُولئك هم الكافرون} قال: «لفظ"مَن"مِن صنيع العموم، فيُفيد أنّ هذا غيرُ مختصٍ بطائفة معيّنة، بل بكل من ولي الحكم ... وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله [إذا] وقع استخفافًا أو استحلالًا أو جحدًا، والإشارة بقوله"أُولئك"إلى من، والجمع باعتبار معناها وكذلك ضميرُ الجماعة في قوله"هم الكافرون"» . [3]
معناه أن الحكم سواء وقع من فرد أو جماعة، وسواء كان استخفافًا أو استحلالًا أو جحودًا للحكم، فالحكم واحد، ألا وهو أنهم كافرون، لأنّ أقلّ تعامل هؤلاء الحكام مع شرع الله تعالى هو الاستخفاف به، وهذا هو الذي أفضى بهم إلى تعطيله، فزادوا إلى كفر الاستخفاف، كفر التعطيل وكفر الاستبدال وكفر الاستهزاء.
ثم قال الإمام الشوكاني: «وخرج عبد بن حميد عن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن السُحت فقال: الرشا، فقيل له: في الحكم قال: ذاك الكفر» [4] ثم قال «وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة - رضي الله عنه - أن هذه الآيات ذكرت عنده فقال رجل [كما يزعُم علماء السلطة اليوم من مرجئي هذا العصر] : إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة - رضي الله عنه - [رادًّا عليه ومُبينًا له خطأ هذا الفهم] :"نِعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مُرة، كلاّ والله لتسلُكنّ طريقهم قدّ الشراك"، وأخرج ابن المنذر نحوه عن ابن عباس» . [5]
(1) تفسير القرآن العظيم جـ2 صـ 63 - 64.
(2) المصدر السابق، ص70.
(3) فتح القدير جـ2 صـ 42.
(4) المصدر السابق: ص44.
(5) نفس المصدر صـ 45.