الصفحة 15 من 140

وقال الشهيد -نحسبه كذلك- سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى {وما أُولئك بالمؤمنين} : «فما يمكن أن يجتمع الإيمان، وعدم تحكيم شريعة الله، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة. والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم «مؤمنون» ثم هم لا يُحكمون شريعة الله في حياتهم، أو لا يرضون حكمها إذا طُبق عليهم. إنما يَدعون دعوى كاذبة، وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع. «وما أولئك بالمؤمنين» فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة الله من الحكام فحسب، بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم الله من المحكومين، يخرجهم من دائرة الإيمان، مهما ادعوه باللسان». [1]

قال تعالى: {إنِ الحُكمُ إلا لله} [الأنعام: 57، ويوسف: 40 و 67] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أخبرهم [الله تعالى] أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلاّ إياه» . [2] وقال الإمام الشوكاني: «أي ما الحكم في كل شيء إلاّ لله سبحانه، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب، والمراد: الحكم الفاصل بين الحق والباطل» . [3] معناه أن الحكم الحق هو حكم الله تعالى، والحكم الباطل هو حكم آراء وأهواء الحكّام. وقال سيد قطب رحمه الله تعالى: «إنّ الحكم لا يكون إلاّ لله. فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من خصائص الألوهية، من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته [4] ، سواء ادعى هذا الحق فرد، أو طبقة، أو حزب، أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعًا في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفرًا بواحًا، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده» . [5]

قال تعالى: {ولا يُشركُ في حُكمهِ أحدًا} [الكهف: 26] . قال الإمام الشوكاني: «والمراد بحكم الله ما يقضيه أم علم الغيب، والأوّل أولى، ويدخل علم الغيب في ذلك دخولًا أوّليًا فإن علمه سبحانه من جملة قضائه» . [6] وقال الإمام الشنقيطي: « [وهذا] شاملٌ لكل ما يقضيه جلّ وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولًا أوليًا، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له في كلتا القراءتين جاء مبينًا في آيات أخرى» . [7]

(1) في ظلال القرآن، جـ2 صـ 895.

(2) تفسير القرآن العظيم جـ2 صـ 496.

(3) فتح القدير جـ2 صـ 122.

(4) قد نبّهنا على قول سيّد رحمه الله هذا في التمهيد، فوجب التنبّه.

(5) تفسير الظلال جـ4 صـ 1990.

(6) فتح القدير جـ3 صـ 280.

(7) أضواء البيان جـ10 صـ 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت