الصفحة 16 من 140

قال تعالى: {وإذا دُعُوا إلى الله ورسُولهِ ليَحكمَ بينهُم إذا فريقٌ منهم معرضُونَ * وإن يَكُن لهُمُ الحَقُّ يَأتُوا إليهِ مُذعِنِينَ * أفي قُلُوبِهم مرضٌ أمِ ارتابوا أم يَخافونَ أن يَحيفَ الله عَلَيهم ورَسولُهُ بل أُولئكَ هُمُ الظالمونَ} [النور: 48 - 50] . هنا يوبّخ الله تعالى المنافقين ويصفهم بالظلم، والظلم هنا كما هو في قوله تعالى من سورة المائدة {فأولئك هم الظالمون} أي ظلمهم ظلم كفر ونفاق. قال ابن كثير: «أي إذا طُلبوا إلى اتّباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن إتباعه وهذه كقوله تعالى {ألم ترَ إلى الذين يزعُمون أنهم آمنوا بما أُنزل إِلَيكَ ومَا أُنزِلَ من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالًا بعيدًا* وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يَصدون عنكَ صدودًا} » . [1] وقال الإمام الشوكاني: « [قال تعالى] {أفي قلوبهم مرض} وهذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم، والمرض [هو] النفاق، أي أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم {أم ارتابوا} وشكوا في أمر نبوته - صلى الله عليه وسلم - وعدله في الحكم، {أم يخافون أن يَحيفَ الله عليهم ورسوله} والحيف [هو] الميل في الحكم ... {بل أولئك هم الظالمون} أي ليس ذلك مما ذكر بل لظلمهم وعنادهم ... وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء» . [2]

وقال سيد قطب رحمه الله تعالى: «إن الرضى بحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هو دليل الإيمان الحق ... وما يرفض حكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إلاّ سيّئُ الأدب معتم، لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يشرق قلبه بنور الإيمان» . [3]

قال تعالى: {يا داوُد إنا جعلناك خليفة في الأرضِ فاحكم بين الناسِ بالحقِ ولا تتَّبعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عن سبيلِ الله إن الذين يَضِلُّونَ عن سبيلِ الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسوا يومَ الحسابِ} [ص: 26] . إذا كان الله تعالى قد حذّر نبيه داود من اتّباع الهوى في الحكم لأنه يؤدّي إلى عذاب الله الشديد، مع أن الله تعالى قد عصم أنبيائه عن الوقوع في مثل هذا الفعل، فما بالُ بعض المشايخ اليوم الذين يختلقون الأعذار لحكّامهم الكافرين الذين بدلوا شرع الله تعالى وقننوا قوانينهم الوضعية الحاكمة بكل ما تهواه أنفسهم من كفر وفسق ورذيلة؟ أفيقوا يا مرجئة عصرنا!

قال الشوكاني: « [قال تعالى] {فاحكم بين الناس بالحق} أي بالعدل الذي هو حكم الله بين عباده، {ولا تتبع الهوى} أي هوى النفس في الحكم بين العباد» . [4] وقال الحافظ ابن كثير: «هذه وصيةٌ من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزَّل من عنده

(1) تفسير القرآن العظيم جـ3 صـ 310.

(2) فتح القدير جـ4 صـ 45.

(3) تفسير الظلال جـ4 صـ 2526.

(4) فتح القدير جـ4 صـ 429.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت